تقليل الانبعاثات يحد من ذوبان القطب الجنوبي وارتفاع البحار
كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية الطبيعة الجيولوجية، عن دور حاسم لخيارات الانبعاثات الحالية في تحديد حجم الذوبان الجليدي المتراكم في القارة القطبية الجنوبية ومستويات ارتفاع منسوب البحار خلال هذا القرن. وشملت الفريق البحثي الدولي باحثون بارزون من جامعة روتجرز وجامعة مدينة هونغ كونغ، أبرزهم روبرت كوب ويوتشنغ لين، الذين حذروا من أن المسار المناخي المتبع اليوم سيحدد مدى تعرض المجتمعات الساحلية لمخاطر الغرق على مدى قرون. أظهرت النتائج احتمالية لا تقل عن تسعين في المئة لحدوث خسارة صافية في الغطاء الجليدي القار حتى في السيناريو الأمثل الذي يطابق أهداف اتفاق باريس ويحقق الحياد الكربوني بحلول عام ألفين وخمسين. وعند تطبيق سيناريوهات الانبعاثات المرتفعة، قد يساهم ذوبان الجليد بشكل مباشر بإضافة ما يقارب خمسة وعشرين سنتيمتراً إلى منسوب البحار بحلول عام ألفين وثلوثين، مستثنياً مساهمات جرينلاند والأنهار الجليدية الأخرى والتمدد الحراري للمحيطات. ويعزى هذا التسارع إلى ضعف الرفوف الجليدية العائمة التي تعمل كمكابح طبيعية، حيث تؤدي مياه المحيط الأدفأ إلى صهرها من الأسفل، مما يسمح للأنهار الجليدية بالتزحلق بسرعة أكبر نحو البحر. واعتمد الفريق المنهجية الحسابية المتقدمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، لمحاكاة آلاف التوليفات الممكنة للعوامل المناخية والمحيطية التي تؤثر على سلوك الكتلة الجليدية، وهو ما يتجاوز القدرات الحاسوبية التقليدية. وتمت مطابقة النتائج مع بيانات الأقمار الصناعية الملتقطة بين عامي ألفين واثنين وألفين وواحد وعشرين، مما ضيق نطاق التقديرات وعزز دقة التوقعات مع تحديد الثغرات المعرفية الأكثر تأثيراً، خاصة تلك المتعلقة بمعدل صهر الرفوف الجليدية، واحتكاك الجليد بالصخور الأساسية، وتفاعلات الغلاف الجوي والمحيطات الإقليمية. وأكد الباحثون أن رد فعل القارة القطبية الجنوبية على التغير المناخي عملية بطيئة ولكنها ذاتية التعزيز، مما يعني أن كل طن إضافي من غازات الدفيئة يزيد من شدة التأثير ويبقيه فعالاً لمئات السنين. ودعا الخبير كوب المجتمعات الساحلية إلى البدء فوراً في تحديث البنى التحتية وحماية السواحل، مشيراً إلى أن القرارات العمرانية الحالية ستستمر لعقود قادمة. فيما لفت لين إلى أن الدقة العالية في رصد العمليات الجليدية والمحيطية ستساعد صناع القرار على وضع خطط تكيف مرنة، رغم أن النماذج الحالية لا تزال عاجزة عن احتساب بعض التفاعلات تحت السطحية المعقدة التي قد تنتج سيناريوهات متطرفة أكثر مما تظهره التقديرات الحالية. وتؤكد الدراسة بشكل قاطع أن تقليل الانبعاثات الآن لا يوقف الذوبان الجليدي تماماً، لكنه يحد بشكل كبير من الذروة المحتملة لارتفاع البحار، مما يعزز الحاجة العاجلة إلى سياسات مناخية طموحة واستثمارات استباقية في البنية التحتية الساحلية.
