العمل عن بُعد يضر توظيف المبتدئين أكثر من الذكاء الاصطناعي
يعاني سوق العمل منذ أواخر عام 2018 من ارتفاع ملحوظ في معدلات بطالة الخريجين الجدد مقارنة بمتوسط القوى العاملة العامة، مما دفع الشركات والباحثين إلى إعادة تقييم العوامل المؤثرة في توظيف المبتدئين، ولا سيما العمل عن بُعد وتأثيرات الذكاء الاصطناعي. وفي خطوة تعكس هذا التحول، أعلنت شركة التكنولوجيا المالية البريطانية ريفولوت عن سياسة جديدة تبدأ من عام 2027، تلزم خلالها المتدربين والخريجين الجدد بالحضور إلى المقر ثلاث مرات أسبوعياً على الأقل، بينما تحتفظ بالمرونة لكبار الموظفين. وتوضح كويني لي، مديرة برامج المواهب في الشركة، أن الإجراء يستند إلى أهمية التعلم المباشر وملاحظة الممارسات المهنية في بيئة العمل الحقيقية، مع خطة لتوسيع برنامج الخريجين ليشمل نحو 500 متدرب لعام 2027، مقابل 300 متدرب حالياً. وتؤكد بيانات الدراسات الحديثة، بما في ذلك أبحاث مشتركة من جامعة لندن للعلوم الاقتصادية وجامعة واريك، بالإضافة إلى فريق بحثي من الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك، أن العمل عن بُعد هو العامل الرئيسي وراء انخفاض توظيف الفئات المبتدئة، حيث انخفضت نسبة التعيينات الجديدة في المستويات الدنيا بنسبة تصل إلى 29 في المئة، مقابل نمو يتجاوز 5 في المئة للمناصب الأعلى. ويرجع الخبراء ذلك إلى أن تأثير العمل عن بُعد بدأ قبل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مما أدى إلى تدهور كبير في آليات التغذية الراجعة والتوجيه المهني التي تعتمد عليها الكوادر الشابة في التطور الوظيفي. وفي المقابل، يحذر علماء اقتصاد مثل نيكولاس بلوم من ستانفورد من عزل عامل واحد كمسبب وحيد، مشيرين إلى تداخل عوامل عدة منها خسائر التعلم أثناء الجائحة والتباطؤ في قطاع التكنولوجيا. كما تشير أبحاث أخرى إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يقلص الطلب على المهام الأولية، رغم أن بعض الشركات ذات الطابع عن بُعد سجلت زيادة في توظيف الخريجين نتيجة لتسارع وتيرة التوسع التشغيلي. ويتماشى اتجاه الشركات مع تفضيلات العمال الفعلية، حيث أظهر مسح غالوب لعام 2025 أن نحو ربع موظفي الجيل زد يفضلون العمل عن بُعد بدوام كامل، مقارنة بثلث من الأجيال السابقة، مما يعزز الدعوة نحو النماذج المختلطة. ويصف براد هيرشبين، الخبير الاقتصادي في معهد أبحاث التوظيف أوبورن، هذا النموذج بأنه الحل الوسط الأمثل لضمان نقل المعرفة المؤسسية والحفاظ على رضا الموظفين الجدد الذين غالباً ما يعانون من نقص في المهارات الخفية عند العمل بعيداً عن المكتب. وبالتالي، تتجه استراتيجيات التوظيف الحديثة نحو دمج الحضور المؤسسي مع المرونة، بهدف تحقيق التوازن بين كفاءة العمليات الإدارية ومتطلبات تطوير جيل المستقبل المهني.
