الذكاء الطبي يحول الرعاية من العلاج إلى الوقاية
دراسة حديثة صادرة عن كلية الإمبراطورية بلندن ونشرت عام 2026 في مجلة Frontiers in Science ترسم خارطة طريق جديدة لتطور الذكاء الاصطناعي الطبي، مع التركيز على انتقاله من مجرد أدوات تشخيصية وعلاجية إلى منصات استباقية للوقاية من الأمراض وتقليل العبء الصحي العالمي. يقود البحث الدكتور أحمد غوني، ويشرف عليه الدكتور هوطون أشرفيان، ويوسع النطاق التقليدي للذكاء الاصطناعي ليشمل مجالات وصفي وتشخيصي وتنبؤي ووصفي علاجي، مع إضافة بعدين جديدين هما المراجعة والنقد، والإبداع. ويحدد الباحثون طيفاً للتشغيل السريري يتدرج من أدوات المستشار التي تدعم الحكم الطبي دون دمج عميق، إلى أدوات الطيار المساعد التي تتقاسم المهام مع الطبيب، وصولاً إلى أنظمة الملاحة التي تعمل بمراقبة بشرية محدودة. ورغم حصر الغالبية العظمى من التطبيقات الحالية في المرحلتين الأولى والثانية، يتوقع الباحثون ظهور أدوار أنظمة الملاحة مستقبلاً في مجالات العلاج الشخصي، والمراقبة عن بعد، والدعم القرار السريري، والجراحة الروبوتية، وإدارة العمليات المستشفيات، مما قد يعيد تشكيل نموذج الرعاية الصحية نحو الاكتشاف المبكر والوقاية. وفي المقابل، يحذر التقرير من أن اعتماد الذكاء الاصطناعي لا يزال غير متكافئ عبر الأنظمة الصحية العالمية، وغالباً ما يتم تقييم الأدوات المعتمدة تقنياً بناءً على الدقة الحسابية بدلاً من تحسين نتائج المرضى الفعلية، مع ندرة التقييمات الأمامية بعد النشر. وتشير العقبات العملية إلى حاجة ماسة لتحسين البنية التحتية للبيانات، وتوافق الأنظمة، وكفاءة استهلاك الطاقة، بالإضافة إلى التحديات التنظيمية والاعتماد السريري، كما يتجلى في حالات مثل فحوصات سرطان عنق الرحم المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي لا تزال تواجه تفاوتاً في النشر بسبب اعتبارات الممارسة السريرية واللوائح. ويؤكد المؤلفون أن ضمان التبني الآمن والفعال يتطلب تجاوز الأطر التنظيمية وحدها، إلى تطوير نماذج تسعير واسترداد تكاليف، ومسارات شراء مؤسسي، وحوكمة مستدامة، وآليات واضحة لتقاسم المسؤولية القانونية بين المطورين والأطباء والمستشفيات. وفي سياق الضغوط المتزايدة على النظم الصحية العالمية نتيجة شيخوخة السكان، وانتشار الأمراض المزمنة، ونقص القوى العاملة الطبية، يشدد الباحثون على أن التحدي الجوهري لا يتمثل في تطوير خوارزميات أكثر قوة فحسب، بل في ضمان دمج تقني مستدام يحسن جودة الرعاية ويقلل الأخطاء وسلاسل العمل غير الفعالة. ويُختتم التقرير بتأكيد الحاجة الماسة إلى تعاون وثيق بين الأخصائيين السريريين، والباحثين، والجهات الرقابية، ومطوري التقنية، مدعوماً بأدلة رصينة وإشراف دقيق، لتحقيق نظام صحي أكثر استباقية، وكفاءة، وإنصافاً، يحوّل التركيز من معالجة المرض إلى منع حدوثه أصلاً، مما يفتح آفاقاً جديدة لتحسين صحة السكان عالمياً وتطوير العلاجات المستقبلية.