دراسة AI تكشف سر هيكلية اللغة عبر الأجيال
كشف بحث جديد من جامعة ويتواترسراند في جنوب أفريقيا عن الآلية التي تتحول بها اللغة إلى هياكل أكثر تنظيماً عبر الأجيال، سواء في البشر أو نماذج الذكاء الاصطناعي. تربط الدراسة بين تطور الثقافة ومفهوم "التعلم المتكرر"، الذي يفترض أن اللغة تتطور تدريجياً لتصبح أكثر قابلية للفهم والتعلم مع مرور الزمن. قام الباحثون، بقيادة الدكتور ديڤون جارفيس، بمحاكاة شبكات عصبية خطية عميقة تشبه في خصائصها عقل الطفل، وقاموا بإطعامها بيانات لغوية مشابهة للواقع. عند مراقبة أجيال متعددة من هذه الشبكات، اكتشفوا أنها تكتشف الأنماط الهيكلية في البيانات بالطريقة نفسها التي يتبعها الأطفال في تعلم اللغة. الأهم من ذلك، أن مجموعة البيانات نفسها أصبحت أكثر تنظيماً عبر الأجيال لأن هذه الهيكلة تسهل عملية التعلم بشكل كبير. يرى الدكتور جارفيس أن الأطفال يمتلكون قدرة مذهلة على تعلم اللغة بسرعة خلال مراحل النمو المبكرة، حيث يبنيون فهمهم للعالم عبر تسلسل هرمي. يبدأون بالمفاهيم الأساسية ثم ينتقلون إلى المفاهيم الأكثر تعقيداً. على سبيل المثال، يتعلم الأطفال أن الطيور يمكنها الطيران، ثم يواجهون مفاجأة عند اكتشاف أن البطريق لا يطير. هذا الخطأ الناتج عن التعميم الزائد ليس عشوائياً، بل هو جزء من عملية التعلم التي تصقل الفهم تدريجياً لتصبح أكثر دقة. عندما ينقل الأطفال اللغة إلى الجيل التالي، تنتقل معهم هذه الأخطاء الناتجة عن التعميم. ومع ذلك، فإن هذا النقل ليس عشوائياً بالكامل؛ فالأجزاء البسيطة من اللغة التي يسهل تعلمها يتم الاحتفاظ بها وإعادة استخدامها، بينما تُنسى الأجزاء غير المهيكلة. بذلك، يصبح التواصل هو المحرك الذي يكشف عن عمق الذكاء ويؤدي إلى تطور اللغة نحو هيكلية أكثر كفاءة. في التجربة، استخدم الباحثون نماذج شبكات عصبية خطية لدراسة الأسس العصبية لهذه العملية. ووجدوا أن عملية "التعلم المتكرر" تعمل بفعالية فقط عندما يكون للشبكة العصبية عمق كافٍ يتكون من طبقات معالجة متعددة، وأن تكون اللغة غنية ومعقدة بدرجة كافية. في المقابل، فشلت الشبكات الضحلة التي تفتقر إلى هذه الطبقات في التقاط الانتظاميات الهيكلية التي تجعل اللغة قابلة للتعلم. هذه النتائج تبرز دوراً حاسماً في بنية نظام التعلم، سواء كان بيولوجياً أو اصطناعياً، وفي مدى ثراء بيئته، لتحديد مدى جودة امتصاص هيكل اللغة ونقله. هذا ما يلقي الضوء أيضاً على التقدم الحديث في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي تعتمد بشكل كبير على حجم البيانات وقوة الحوسبة لتظهر قدراتها الناشئة. يوضح الباحث أن مفاهيم مثل الشبكات العصبية الخطية العميقة والتعلم المتكرر كانت موجودة في الأدبيات العلمية لسنوات، لكن الجمع بين المنظورين يكشف مبدأً أساسياً: أن اللغة تتطور لتكون قابلة للتعلم استناداً إلى الطبيعة المحددة لكيفية تعلم الأطفال على مراحل، وفضلهم لإعادة استخدام المعلومات بدلاً من تعلم أشياء جديدة في كل مرة. يُعتبر نجاح هذه التجربة في نسخة مبسطة من التكنولوجيا التي تقف وراء ثورة أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية أمراً مشجعاً، مما يشير إلى أن المبادئ الأساسية للإدراك تكمن في تقاطع مجالات متعددة، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهمنا لتطور اللغة والذكاء الاصطناعي معاً.
