أداة ذكاء اصطناعي تُخصّص علاج الاكتئاب
أظهرت تجربة سريرية دولية كبرى أن أداة الذكاء الاصطناعي المسماة "بيترشكا"، التي طورتها جامعة أكسفورد، قادرة على تخصيص علاج الاكتئاب بشكل فردي للمرضى وتحسين النتائج الصحية مقارنة بالعلاج القياسي. وتُعد هذه المرة الأولى التي يُثبت فيها أداة تنبؤ سريري في مجال الصحة النفسية فعاليتها بشكل قاطع. تعمل الأداة "بيترشكا" على دمج المعلومات السريرية والديموغرافية مع تفضيلات المرضى، خاصة فيما يتعلق بالآثار الجانبية، لمساعدة الأطباء والمرضى في اختيار مضاد الاكتئاب الأنسب لكل فرد. تم اختبار الأداة في تجربة عشوائية واسعة النطاق شملت أكثر من 500 بالغ مصابين باضطراب الاكتئاب الشديد في دول البرازيل وكندا والمملكة المتحدة، وقد بدأت تجربتها في عام 2024. أظهرت النتائج المنشورة في مجلة "جAMA" الطبية أن المرضى الذين تم اختيار دوائهم باستخدام "بيترشكا" كانوا أقل عرضة بنسبة 40% لوقف العلاج خلال الأسابيع الثمانية الأولى مقارنة بمن تلقوا الرعاية المعتادة. كما سجلت المجموعة التي استخدمت الأداة تحسناً أكبر في أعراض الاكتئاب والقلق بعد 24 أسبوعاً، مع انخفاض في عدد الحالات التي توقفت عن العلاج بسبب الآثار الجانبية. يُعتبر اختيار مضاد الاكتئاب المناسب تحدياً كبيراً في الممارسة اليومية، حيث يتوقف الكثير من المرضى مبكراً بسبب عدم فعالية الدواء أو تأثيراته الجانبية المزعجة. صُممت "بيترشكا" لمعالجة هذه المشكلة من خلال الاستفادة من أدلة التجارب السريرية والبيانات الواقعية إلى جانب ما يهم المرضى شخصياً، مما يساعد في تحديد الخيارات الأنسب منذ البداية. تستغرق الأداة حوالي ثلاث دقائق لإدارتها، وهي مصممة لتكون سهلة الاستخدام في الإعدادات السريرية الروتينية، سواء في العيادات الأولية أو عبر الاستشارات عن بعد، لضمان أن تعكس قرارات العلاج كلًا من الأدلة السريرية والأولويات الفردية. وقال البروفيسور أندريا تشبريان، البروفيسور في الطب النفسي بجامعة أكسفورد ومحقق الدراسة الرئيسي، إن الصحة النفسية تتأخر عن غيرها من مجالات الطب، وأن علاج الاكتئاب اعتمد لفترة طويلة على التجربة والخطأ. وأضاف أن "بيترشكا" تثبت أنه بدمج أفضل الأدلة المتاحة مع تفضيلات المرضى، يمكننا تخصيص العلاج من البداية ومساعدة المزيد من المرضى على الالتزام بالدواء المناسب لهم. يُتوقع أن يكون تأثير "بيترشكا" تحويلياً، حيث قد يساهم في تقليل العبء الشخصي والسريري والاقتصادي للاكتئاب، خاصة في المرافق التي تفتقر إلى الدعم النفسي المتخصص. وقد يكون أداة بالغة الأهمية في الرعاية الأولية حيث يُعالج معظم المصابين بالاكتئاب. وأوضح مايك لويس، المدير العلمي للابتكار في المعهد الوطني للبحث في مجال الصحة والرعاية، أن الدراسة تظهر القوة الحقيقية لدمج التكنولوجيا الرقمية مع العلاج المخصص. مضيفاً أن استغلال البيانات والأدوات الرقمية المتطورة يسمح بتوجيه الرعاية بدقة أكبر لكل مريض، مما يحسن النتائج على مستوى الأفراد. وفي حين أن هناك حاجة لمزيد من البحث لاستكشاف النتائج طويلة الأمد والفعالية الاقتصادية، فإن النتائج توفر دليلاً قوياً على أن أدوات دعم القرار الرقمية التي تركز على المريض يمكن أن تلعب دوراً هاماً في تقدم الطب النفسي الدقيق وتحسين رعاية الصحة النفسية على نطاق واسع. وقد شارك هنري وينشستر، كاتب حر من بريستول، في الدراسة. وأعرب عن سعادته بأن الأداة عثرت على دواء أقل آثاراً جانبية بكثير من تلك التي جربها سابقاً، معتبراً أنها كانت محيية للحياة وأثبتت إمكانية تغيير طريقة وصف مضادات الاكتئاب لتصبح أسهل للمرضى وأنجع للأطباء.
