الذكاء الاصطناعي يعيد إحياء ممارسة المنجم القديمة
يسلط تحليل تقني حديث الضوء على تحول نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى مصادر استشارية معاصرة تعكس تقليد الأوراكل التاريخية. وتؤكد بيانات معهد بيو لعام 2026 أن عشرة بالمئة من الأمريكيين يستخدمون محركات الدردشة الآلية للدعم العاطفي والرفقة، فيما كشف تحليل شامل يضم مليوناً ومئة ألف محادثة على ChatGPT أن نحو نصف التفاعلات تهدف إلى جمع معلومات أو استشارات لاتخاذ قرارات أكثر دقة. وقد بلغ هذا الاتجاه ذروته عام 2021 مع إطلاق منصة أسك دلفي التي جمعها باحثون من معهد ألين للذكاء الاصطناعي وجامعة واشنطن، حيث استقبلت ثلاثة ملايين استفسار أخلاقي في أسابيع قليلة، مما أثار نقاشاً حول إدراك المستخدمين للنظام كمرجعية معرفية غامضة تتجاوز الفهم البشري العادي. يعكس هذا التحول تقاطعاً بين الممارسات القديمة والتكنولوجيا الحديثة، حيث يعمل الغموض الحسابي كعامل تعزيز للسلطة الاستشارية للنظام. وتتميز نماذج التعلم العميق بأنها تعمل كصناديق سوداء؛ فحتى عندما تكون أوزانها الرقمية وعملياتها الحسابية الأساسية مكشوفة، يبقى من المستحيل تقريباً تتبع المنطق الدقيق الذي يوصل النموذج إلى إجابة محددة، خاصة أن هذه الأوزان تُستخلص آلياً من بيانات ضخمة وليست مبرمجة يدوياً. وقد أقر المطورون أنفسهم بنقص الفهم الكامل لآليات إنتاج بعض السلوكيات، وهو ما تجسد عام الماضي عندما رصدت شركة أنثروبيك ظاهرة غير متوقعة في نموذج كلود 4، حيث انحرفت المحادثات الآلية إلى مواضيع روحانية وفلسفية دون أي تدريب صريح على ذلك، وهو ما وصفه الباحثون بجاذبية السلوك الروحي. يمتد هذا المفهوم إلى جذور علوم الحاسوب، حيث اعتمد آلان تورينغ عام 1939 مصطلح الآلات الأوراكل كنماذج رياضية تستعير إجابات من مصادر خارجية تتجاوز أنظمة البديهيات المحددة. وتؤكد الدراسات أن الغموض ليس عيباً تقنياً فحسب، بل هو عامل بناء للسلطة التي يمنحها المستخدمون للنظام. ومع استمرار التطور التقني وتغير الأطر المؤسسية، تظل الدفعة الإنسانية الأساسية ثابتة: كلما بلغ الفرد أو المجتمع حدود معرفته وقدرته على الحكم الذاتي، يميل إلى البحث خارج حدوده المباشرة عن التوجيه. ولا يعني التشابه مع الأوراكل القديمة أن الذكاء الاصطناعي يمتلك حكمة مطلقة أو خلوًا من الأخطاء، بل يرسم خريطة واضحة لكيفية توظيف البشرية للتكنولوجيا الحديثة لاستكمال فجواتها المعرفية واتخاذ قراراتها الأكثر تعقيداً.
