تتجه ثلاث كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية لعلوم الحياة
يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي العالمي تحولاً استراتيجياً واضحاً نحو علوم الحياة والصيدلة، حيث وضعت كبرى المختبرات الأمريكية رافعاتها على هذا القطاع كساحة تنافسية قادمة. وفي إشارة دلالية، أعلن حائز جائزة نوبل والكاتب المشارك لـ"ألفافولد" جون جوبر في يونيو 2026 عن انتقاله إلى أنثروبيك بعد تسع سنوات في جوجل ديب مايند، في حين انتقل أحد مؤسسي معمارية ترانسفورمر نوام شيزر إلى أوبن إيه آي، مما يعكس إعادة توزيع الكفاءات نحو الهدف المشترك. تتبنى أنثروبيك مساراً يدمج القدرات البيولوجية مباشرة في نماذجها الأساسية، بدءاً من إطلاق كلود لعلوم الحياة والرعاية الصحية، مروراً بشراء شركة كوفيشينت بايو مقابل 400 مليون دولار لتعبئة الخبرات المخبرية، وصولاً إلى إطلاق نموذج ماثوس 5 وقدرات تصميم الأدوية التي خفضت وقت الحساب عشرة أضعاف، مع بناء مختبرات رطبة خاصة وإضافة رئيس شركة نوڤارتس لمجلس إدارتها. في المقابل، تركز أوبن إيه آي على بناء نماذج رأسية وأدوات تنفيذية، حيث أطلقت جي بي تي روزاليند المخصص للبحث البيولوجي، وحدّثته بقدرة البرمجة الوكيلية وإضافات تحليل الجينوم، مع تعهد باستثمار يتجاوز المليار دولار في أبحاث الشيخوخة والأمراض ذات الأولوية. أما ديب مايند وشريكتها المستقلة إيزومورفيك لابز، فتسلك طريق التصنيع المتكامل عبر محرك آي سو دي دي المغلق، الذي يطور محفزات وعلاجات موجهة، محققاً تمويلات تراكمية تبلغ 2.7 مليار دولار ومستهدفاً بدء التجارب السريرية بنهاية 2026 بشراكات مع عمالقة الأدوية. يدفع هذا التحول تراكمات تقنية وتنظيمية حاسمة. نجاح أول دواء مُصمم بالكامل بالذكاء الاصطناعي في التجارب السريرية، والحصول على جائزة نوبل للبرمجة الهيكلية، وتراكم قواعد البيانات الجينومية، عزز موثوقية القطاع. كما أن التوجه نحو الذكاء الاصطناعي الوكيل مكّن النماذج من الانتقال من الاستشارات إلى التنفيذ التجريبي الكامل. من الناحية الاقتصادية، يقدّر المحللون أن الذكاء التوليدي قد يولد بين 60 و110 مليارات دولار سنوياً لصناعة الأدوية، وهي فرصة ملحة تواجهها الشركات الكبرى بخطر انقضاء براءات الاختراع. ومع ذلك، يواجه القطاع تحديات جوهرية. لا يزال الاعتماد على النماذج السريرية محدوداً، وتسجل بعض الشركات خسائر في التجارب أو تراجعاً في التقييمات، مما يعكس فجوة بين الإحصاءات النظرية والفعالية العلاجية المضمونة. كما تثير الاستحواذات المرتفعة والتقييمات العالية مخاوف تتعلق بالاستدامة، وسط جدل حول موازنة القدرات النموذجية المتصاعدة مع مخاطر السلامة والأمن البيولوجي. باختصار، تتقاطع مسارات المختبرات الثلاثة في هدف واحد: اختراق العلوم الحياتية. لم يعد الأمر مجرد توسع تسويقي، بل تحول إلى معيار صلب لقياس نضج الذكاء الاصطناعي، حيث يفرض البيولوجيا قيوداً فيزيائية وتجريبية صارمة، وتصبح القدرة على تحويل الحوسبة إلى نتائج سريرية قابلة للتحقق هو المؤشر النهائي على تفوق النماذج في العالم الواقعي.
