اقتصاد النمو دون وظائف يبدأ يأخذ شكله في أمريكا
تُدخل الولايات المتحدة عصرًا جديدًا يُعرف بـ"النمو دون وظائف"، وفقًا لتوقعات محللي جولدمان ساكس، الذين يحذرون من أن النمو الاقتصادي القوي الذي تشهده البلاد حاليًا لا يُصاحبه توظيف متناسب. هذه الظاهرة، التي تُوصف بـ"النمو الخالي من الوظائف"، تُعدّ تطورًا مقلقًا، خصوصًا للذين يعتمدون على دخل العمل، ولا سيما الشباب الخريجين أو من يبحثون عن فرصة أولى في سوق العمل. يُفسر التقرير، الذي كتبه الاقتصاديان ديفيد ميريكلي وبيفرانشيسكو مي، أن النمو في الناتج المحلي الإجمالي يُعزز بدرجة كبيرة من اعتماد الشركات على الذكاء الاصطناعي، بينما يُضعف النمو في القوى العاملة بسبب الشيخوخة السكانية وانخفاض الهجرة. في المقابل، تُظهر المؤشرات أن التوظيف لا ينمو بشكل متناسب، رغم استمرار دخول ملايين الأشخاص إلى سوق العمل. رغم التسويق الواسع للذكاء الاصطناعي كمحرك للإنتاجية، لم تظهر حتى الآن أدلة قوية على استبداله الجماعي للعمالة. ومع ذلك، هناك مؤشرات على أن تبني التكنولوجيا يُبطئ التوظيف، خصوصًا في المواقع الابتدائية. فعدد الإعلانات عن وظائف دخولية انخفض بشكل ملحوظ مقارنة بالعام الماضي، ما يعني أن الشركات لا تُفتح أبوابها كما كان معتادًا، حتى لو لم تُستبدل وظائف حالية. هذا التوجه، وإن بدا مربحًا على المدى القريب للشركات التي تقلل من تكاليف الأجور، يُعدّ استراتيجية قصيرة النظر. فالوظائف العليا لا تُملأ إلا بمن خبروا المراحل الابتدائية، ويُصبح من الصعب تكوين جيل من الكفاءات إذا تم قطع مسار التدريب والتطوير. قد تكون الشركات تراهن على أن الذكاء الاصطناعي سيتطور لدرجة تجعله بديلًا كافيًا للبشر، لكن هذا الاعتماد المفرط يحمل مخاطر كبيرة. الأمر الأكثر تهديدًا هو أن تأثير الذكاء الاصطناعي الكامل على سوق العمل قد لا يظهر إلا في أزمة اقتصادية. وفقًا لتحليلات ديويتشه بنك، فإن ما يُحبط الانهيار الاقتصادي حاليًا هو الاستثمارات الهائلة في الذكاء الاصطناعي، التي شكلت 92% من نمو الناتج المحلي الإجمالي في النصف الأول من 2025، بحسب الاقتصادي جيسون فورمان من جامعة هارفارد. رغم التفاؤل بقدرة الذكاء الاصطناعي على رفع الإنتاجية عبر القطاعات التجارية والاستهلاكية، فإن هذه المكاسب لم تتحقق بعد. ومع ذلك، استمرار تدفق الأموال إلى مشاريع الذكاء الاصطناعي يُشوّش السوق، ويُعزز من تضخم التوقعات. النتيجة؟ اقتصاد يعتمد على مكاسب وهمية، ووظائف محدودة، ومخاطر هائلة في حال فشل التوقعات. في النهاية، الذكاء الاصطناعي سيحدث تحوّلًا جوهريًا في الاقتصاد، لكنه قد يكون تحولًا إيجابيًا يُعزز الإنتاجية، أو كارثة تُعيد تكرار أزمة 2008، إذا أُفرط في التفاؤل بقدراته دون مراعاة العواقب الاجتماعية والاقتصادية. الوقت سيُظهر ما إذا كان هذا النمو مُستدامًا، أم مجرد موجة من التضخم الافتراضي.
