الذكاء الاصطناعي يدفع نحو "العلوم المؤتمتة"
يُعد روب مور، الباحث الرائد في مختبر أوك ريدج الوطني التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، من الشخصيات المحورية في دمج الذكاء الاصطناعي والأتمتة في البحث العلمي. انضم مور إلى المختبر في عام 2019 بعد مسيرة طويلة في البحرية الأمريكية، حيث طور شغفًا بالمواد الكمية وتطبيقاتها المستقبلية. أدرك أن استخدام الذكاء الاصطناعي هو الخطوة المنطقية لتسريع اكتشاف هذه المواد ذات الخصائص المصممة خصيصًا، مما قاده إلى قيادة مبادرة "إنترسيكت" لخلق بيئة بحثية متكاملة. بناءً على نجاح هذه المبادرة، انطلق مور في مشروع جديد يحمل مسمى "مختبرات المستقبل" يهدف إلى نقل المختبر نحو بحث علمي ذاتي كامل القيادة، مساهمة في مهمة "جينيسيس" الوطنية لبناء منصة علمية عالمية تتسارع فيها الاكتشافات وتعزز الأمن القومي والابتكار في الطاقة. يؤكد مور أننا دخلنا حقبة جديدة بفضل نماذج اللغات الكبيرة التي تتيح معلومات موثوقة وسريعة. ومع ذلك، يواجه البحث العلمي تحديات جوهرية عند دمج هذه التقنيات، وأبرزها مسألة الموثوقية. فبينما تقدم أدوات الذكاء الاصطناعي نتائج فورية، إلا أنها قد تنتج معلومات خاطئة تبدو مقنعة، وهو ما يُعرف بـ "الهلوسة". في المجال العلمي، لا يحق للمجتمع تحمل معلومات غير دقيقة، لذا فإن الدقة والتحقق من صحة النتائج وإعادة إنتاجها هي معايير لا غنى عنها لا يمكن التنازل عنها. يبرز الذكاء الاصطناعي قدرته الفائقة في العثور على الارتباطات في البيانات الضخمة بسرعة تفوق قدرة البشر، مما يساعد العلماء في صياغة الفرضيات وقيادة التجارب وتسريع وتيرة الاكتشافات. لم يكن من المتوقع في البداية أن تلعب نماذج اللغات الكبيرة هذا الدور المباشر في العلوم، لكن التطور السريع جعل من الممكن تفويض المهام المعرفية للآلات، مما يحرر الوقت البشري للتركيز على التحديات الكبرى والمعقدة التي استعصت على الحل لسنوات طويلة. يوضح مور الفرق الجوهري بين الأتمتة والاستقلالية. يمكن للمختبر أن يكون مؤتمتًا دون أن يكون ذاتي القيادة، حيث تنفذ الأجهزة مهامًا متكررة دون اتخاذ قرارات. أما الاستقلالية فتتطلب وجود "صانع قرار"، وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي. فعلى سبيل المثال، يمكن لتقنية المجهر الإلكتروني المسح النافذ أن تحدد مواقع الذرات وتصنف العيوب باستخدام الشبكات العصبية، لكنها تتوقف عند ذلك. أما في النظام المستقل، فإن الذكاء الاصطناعي يقوم باتخاذ القرار بناءً على ما اكتشفه، ليقرر تلقائيًا كيفية الغوص في التفاصيل وتوجيه التجارب التالية. في هذا النموذج، يتحول دور الإنسان إلى دور إشرافي ومستشار، بينما يقوم الذكاء الاصطناعي بالعمل الفعلي في اتخاذ القرارات العلمية المعقدة.
