الذكاء الاصطناعي في الكتابة العلمية: من يتحمل المسؤولية؟
تتسارع وتيرة دمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الممارسات البحثية، حيث باتت هذه التقنيات تشارك بنشاط في مسوحات الأدبيات العلمية، وصياغة المنهجيات، وإعداد الردود على المراجعين، وتحسين الدقة الأسلوبية للنصوص. ومع هذا الانتشار الواسع، تبرز إشكالية مؤسسية جوهرية تتعلق بإعادة تعريف المشاركة العلمية والمسؤولية الفكرية عندما تتوسط الخوارزميات عملية التأليف. فالهوية المؤلفية في الأوساط الأكاديمية ليست مجرد اعتراف بصياغة نص، بل هي آلية ضامنة للكفاءة العلمية والمساءلة الأخلاقية، وتوزيع هذا الائتمان جزئياً على نماذج حاسوبية يقوض أسس النزاهة البحثية المعتمدة. ويختلف التداخل الآلي جذرياً عن دعم المساهمين البشر من طلاب أو مساعد بحثيين، إذ لا تمتلك أنظمة الذكاء الاصطناعي القدرة على تبرير مخرجاتها أو التحمل المسؤولية عن دقتها ومنهجيتها. وقد أظهرت التطبيقات الحالية أن التصنيفات القياسية للمشاركات البشرية، مثل نظام CRediT، لم تعد كافية لرصد درجة الوساطة التكنولوجية أو توزيع الائتمان بدقة، خاصة مع امتداد تأثير الخوارزميات إلى بنى المراجعة الأقران والتحرير، حيث تؤثر الآلات في اختيار المحكمين وصياغة القرارات، مما يغير من ديناميكيات منح الصلاحية العلمية. ويشير محللون إلى أن نقاش الحوكمة الحالية يجب أن يتجاوز مجرد مواءمة الأدوات الجديدة مع اقتصاديات النسب الأكاديمية القائمة، ليتمدد نحو مساءلة التسلسلات الهرمية التقليدية. فالاعتراف بدور الذكاء الاصطناعي في توليف الدراسات قد يفتح باباً لإعادة تقييم العمل البشري الخفي الذي يقف وراء تدريب هذه النماذج وصيانتها، وهو عمل غالباً ما يُحذف من قسم الإشادات رغم كونه أساساً غير المرئي للعملية. وقد كانت معايير التأليف العلمي تاريخاً متغيراً يتكيف مع كل تقنية ناشئة، بدءاً من ممارسات النشر في القرن السابع عشر، وصولاً إلى التحول الرقمي الحالي الذي يفرض شفافية أعلى في توزيع الجهد البحثي. ونتيجة لذلك، تدعي المؤسسات الراعية للبحث ودور النشر إلى وضع ضوابط علنية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في سير العمل العلمي. فالاختيار غير النقدي لهذه التقنيات مدفوعاً فقط بالراحة أو خفض التكاليف قد يعيد تشكيل معايير المصداقية على المدى البعيد. ويتطلب الأمر إطاراً مؤسسياً جديداً يميز بوضوح بين المساعدة الآلية والمساهمة الفكرية الحقيقية، مع ضمان بقاء المساءلة الأكاديمية محصورة بين باحثين بشريين قادرين على الدفاع عن نتائجهم وتحمل تبعاتها، مما يضمن استمرار البحث العلمي كمنظومة قائمة على الشفافية والمساءلة لا على الأتمتة العابرة.