نقص الرقائق الذاكرة العالمي سيكلفنا جميعًا باهظًا طلب شركات الذكاء الاصطناعي لرقمية ميكروتشيب مُستهلكة سابقًا ورخيصة يهدد رفع أسعار جميع الأجهزة الإلكترونية ويتسبب في تقييد طموحات مراكز البيانات
الطلب المتصاعد على شرائح الذاكرة، وخاصة نوع معين كان يُعتبر في السابق غير مهم ورخيص التكلفة، أصبح سببًا رئيسيًا في أزمة عالمية تهدد سلاسل التوريد الإلكترونية. هذه الشريحة، المعروفة باسم "الذاكرة غير المتطايرة" (NOR Flash)، تُستخدم في العديد من الأجهزة، من الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية، وتُعدّ حجر الأساس في تخزين التعليمات الأساسية التي تُشغل الأجهزة عند تشغيلها. لكن مع تزايد اعتماد الشركات على الذكاء الاصطناعي، تغير الوضع جذريًا. شركات الذكاء الاصطناعي، مثل نيفيديا وآبل وغوجل، بدأت في تضخيم الطلب على هذه الشريحة لتخزين البيانات والتعليمات التي تُستخدم في تدريب النماذج العصبية ومعالجتها. فبفضل قدرتها على القراءة السريعة وتشغيل التعليمات مباشرة من الذاكرة دون الحاجة إلى تحميلها إلى وحدة المعالجة المركزية، أصبحت هذه الشريحة ضرورية في بنية مراكز البيانات التي تُشغل أنظمة الذكاء الاصطناعي. ومع اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي، تضاعف الطلب على شرائح NOR Flash بشكل مفاجئ، ما أدى إلى نقص حاد في المعروض. النتيجة: ارتفاع أسعار هذه الشريحة بنسبة تجاوزت 50% في أقل من عام، وفقًا لتقارير من مصادر صناعية. ورغم أن هذه الشريحة تُعتبر صغيرة نسبيًا من حيث الحجم، إلا أن تأثيرها كبير. فكلما ارتفعت تكلفة شرائح الذاكرة، زادت تكاليف تصنيع الأجهزة الإلكترونية، بدءًا من الهواتف الذكية ووصولًا إلى أجهزة التحكم في السيارات والروبوتات. الشركات المصنعة، مثل سامسونج وميكرون وفاسا، تسعى جاهدة لزيادة الإنتاج، لكن عملية تصنيع هذه الشريحة معقدة وتتطلب معدات متخصصة وفترة تجهيز طويلة. كما أن بعض المصانع لا تزال تعاني من آثار توقفات سابقة بسبب جائحة كوفيد-19، ما أدى إلى تأخر في استئناف الإنتاج بكامل طاقته. الوضع يهدد أيضًا طموحات مراكز البيانات في توسيع قدراتها لدعم الذكاء الاصطناعي. فمع ارتفاع تكاليف المكونات، تصبح مشاريع التوسع أكثر تكلفة، وقد تُؤجل أو تُقلص حجمها. هذا قد يبطئ من وتيرة التقدم في مجالات مثل الترجمة الآلية، تشخيص الأمراض، أو تطوير السيارات ذاتية القيادة. الحل لا يكمن في الاعتماد على بديل مباشر، لأن شرائح NOR Flash تمتلك خصائص فريدة لا يمكن استبدالها بسهولة بغيرها. لكن بعض الشركات بدأت في تطوير تقنيات جديدة، مثل تقليل حجم الشريحة دون التضحية بالأداء، أو استخدام مواد بديلة في التصنيع. كما تسعى بعض الحكومات إلى دعم الصناعات المحلية لتعزيز الاستقلال في سلاسل التوريد. في النهاية، الأزمة تُظهر مدى ارتباط التطور التكنولوجي بسلاسل توريد دقيقة ومتوازنة. ما كان يُنظر إليه كمكوّن ثانوي، أصبح اليوم حجر الزاوية في مستقبل الذكاء الاصطناعي، وربما في مصير كل جهاز إلكتروني نستخدمه يوميًا.
