إذا كانت شركات التكنولوجيا الكبرى حريصة حقًا على محاربة "النفايات الذكية"، لما كانت تغرقنا بها
في ختام عام 2025، أطلق آدم موسيري، رئيس إنستغرام، تحذيرًا مقلقًا حول تفشي المحتوى الاصطناعي، معتبرًا أن "الأصالة أصبحت قابلة للنسخ بلا حدود"، مما يهدد هوية المبدعين وقيمتهم في عالم يُصبح فيه التفاعل البشري قابلًا للتقليد بسهولة. واقترح حلًا يعتمد على علامة رقمية تُضمنها شركات الكاميرات عند التقاط الصور، لبناء "سلسلة توثيق" تُثبت أصالة المحتوى. هذه الفكرة ليست جديدة: إنها تقنية "مُصادر المحتوى" (C2PA)، التي تأسست عام 2021 بقيادة شركات كبرى مثل آدوب، مايكروسوفت، وبي بي سي، وتم دعمها من قبل ميتا، جوجل، وآي بي إم، وآي أو إس، وتيك توك. لكن على الرغم من التبني الرسمي، تُظهر البيانات أن النظام لا يُحدث فرقًا حقيقيًا. فعلى الرغم من وجود معايير توثيق، لا يُظهر معظم المستخدمين هذه العلامات، ولا يُدركون وجودها، بينما تظل المواقع مثل إنستغرام وتيك توك تُخفّف من ظهورها أو تُزيلها أحيانًا. حتى عندما تُدرج العلامة، يُطلب من المستخدمين البحث عنها يدويًا عبر خيارات مخفية أو استخدام إضافات متصفح، وهو أمر غير عملي للغالبية. الأكثر إثارة للقلق أن الشركات التي تدعم C2PA هي نفسها التي تُنتج المحتوى الاصطناعي بكميات هائلة. ميتا تُطلق ميزات إنستغرام تُعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي، وآي أو إس تُصدر نسخًا مُقلدة من تيك توك تُستخدم فيها فيديوهات مُنشأة بالذكاء الاصطناعي دون إذن، ويوتيوب يُشجع المبدعين على استخدام نماذج جوجل في إنتاج المحتوى، رغم أن 10% من القنوات الأسرع نموًا في يوليو 2024 كانت محتوى اصطناعيًا. الواقع أن C2PA لا يُعالج المشكلة الأساسية: لا يمكن التحقق من المحتوى إذا لم تكن جميع مراحل الإنتاج والنشر مُشتركة في النظام، وهو أمر غير واقعي. كما أن البيانات المُضافة يمكن حذفها بسهولة، وتُظهر التجارب أن التحذيرات من "الذكاء الاصطناعي" لا تُقلل من تأثير الفيديوهات المزيفة. حتى أن بعض الدراسات تشير إلى أن "الشفافية" لا تكفي لمنع الضرر. أبرز مثال على التناقض هو تويتر (X)، الذي كان أحد المؤسسين لـ C2PA، لكنه غادر بعد امتلاك إيلون ماسك له. اليوم، يُستخدم X كمصدر رئيسي للأخبار، لكنه يُنشر فيه محتوى مزيف بانتظام، ويُستخدم نموذج "غروك" لإنشاء محتوى عنف وتمثيل جنسي لأشخاص حقيقيين، دون أي رقابة فعلية. الحل الوحيد المُمكن، كما يشير خبراء مثل بن كولمان من "رياليتي ديفندر"، هو الانتقال من رقابة المحتوى إلى رقابة المُنشئ. يُظهر يوتيوب نموذجًا مبكرًا من هذا النوع، حيث يُقدّم ملخصات إخبارية نصية في نتائج البحث أثناء الأحداث الكبرى، ويُوجّه المستخدمين إلى مصادر رسمية. لكن حتى هذه الجهود تُعوقها سياسات جوجل التي تُستبدل العناوين الإخبارية بملخصات ذكاء اصطناعي غير دقيقة. في النهاية، لا يمكن تجاهل التناقض الجوهري: الشركات التي تُعلن عن "الحرب على المحتوى الاصطناعي" هي نفسها التي تستثمر ملايين الدولارات في تطويره، لأنه يُعزز التفاعل، ويزيد وقت الجلوس على المنصات، ويُدرّ أرباحًا ضخمة. لذا، فإن الوعود بـ "الشفافية" و"النظام" تبدو أكثر كـ "شعار تسويقي" من كونها استراتيجية حقيقية. ففي عالم يُكافح فيه الذكاء الاصطناعي لاستبدال الواقع، فإن ما يُدعى "الحل" يُصبح جزءًا من المشكلة.
