تتبنى الدول نماذج ذكاء اصطناعي وطنية تتجاوز سيلكون فالي
يكشف التوسع العالمي الحالي في مجال الذكاء الاصطناعي عن قصور جوهري في الاعتماد الأعمى على النموذج التقني الذي تتبناه وادي السيليكون، مما يستدعي تطوير استراتيجيات وطنية متخصصة تراعي القيود المحلية. وقد تجسد هذا القصور بشكل صارخ في أبريل الماضي عندما سحبت جنوب أفريقيا مشروع سياستها الوطنية للذكاء الاصطناعي بعد اكتشاف اعتمادها على مراجع أكاديمية مختلقة، نتجت عن ظاهرة الهلوسة التقنية التي تنتجها النماذج المستخدمة في الصياغة، مما يعكس التناقض الجوهري بين أداة التنظيم ونتيجتها. يعكس هذا الحادث مشكلة أعمق تتمثل في الافتراض السائد بأن تطوير الذكاء الاصطناعي يجب أن يعتمد على تكرار نموذج البنية التحتية القائم على وفرة رأس المال الرخيص، والطاقة المستمرة، والموارد المائية الهائلة لتبريد مراكز البيانات. تواجه هذه الفرضية الآن قيوداً فيزيائية واقتصادية حادة، خاصة في الاقتصادات الناشئة. فتعتبر مراكز البيانات مستهلكاً ضخماً للكهرباء والمياه، مما يشكل تهديداً مباشراً للدول التي تعاني من ندرة الموارد أو هشاشة شبكات الطاقة. وتشير توقعات الوكالة الدولية للطاقة إلى تضاعف استهلاك الكهرباء العالمي لمراكز البيانات بحلول عام 2030، مما يضع ضغوطاً غير مسبوقة على شبكات الطاقة حتى في المناطق الغنية بالبنية التحتية مثل الولايات المتحدة وأيرلندا، حيث تواجه الحكومات المحلية احتجاجات واسعة ضد مد خطوط البنية التحتية الجديدة. بالتوازي مع الضغوط المادية، تواجه الشركات العاملة في القطاع تحديات اقتصادية كبيرة. فعلى الرغم من الاستثمارات الضخمة، لا تزال معظم شركات الذكاء الاصطناعي غير رابحة، مما يدفع بعضها للتعويل على الديون الخاصة لتمويل التوسع السريع، مما يثير تساؤلات حول استدامة هذا الوتير في ظل النمو البطيء للإيرادات الفعلية. في ظل هذه المعطيات، تتجه العديد من الدول نحو سياسة السيادة الرقمية، حيث تولي حكومات الهند والسعودية ودول الاتحاد الأوروبي أولوية قصوى لإنشاء بنية حوسبة سحابية وموديلات أساسية محلية، للحد من الاعتماد على الموردين الخارجيين وتعزيز الأمن القومي. ويؤكد الخبراء أن الحل المستدام لا يكمن في مضاعفة أحجام النماذج القائمة على الاستنزاف، بل في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي موفرة للموارد، ومصممة خصيصاً لتتناسب مع القيود البيئية والاقتصادية لكل دولة، مما يفرض إعادة هندسة كاملة لرؤية التنمية التقنية العالمية على المدى الطويل.
