شركات غير تقنية تستثمر بقوة في موجة الذكاء الاصطناعي مع ارتفاع طلب البيانات المراكز
في ظل التوسع المتسارع لعصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الشركات التقنية وحدها هي من تستحوذ على اهتمام المستثمرين. ففي الوقت الذي تُسجّل فيه أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى أرقاماً قياسية، تظهر موجة جديدة من الاستثمارات تجذب شركات غير تقنية إلى سوق الذكاء الاصطناعي، حيث تُعدّ البنية التحتية للبيانات حجر الزاوية في هذه الثورة. الطلب الهائل على مراكز البيانات، التي تُعدّ المحرك الرئيسي لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المعقدة، قد أطلق موجة من النمو في قطاعات متنوعة تتجاوز حدود البرمجيات والحوسبة. فشركات البناء والمقاولات، التي كانت تُنظر إليها تقليدياً كأطراف ثانوية في صناعة التكنولوجيا، بدأت تُسجّل أداءً ملحوظاً. فمع ازدياد الحاجة إلى بناء مراكز بيانات جديدة بسرعة وحجم كبير، أصبحت شركات التشييد والهندسة مطلوبة بشكل متزايد، ما أدى إلى ارتفاع أسهمها بشكل ملحوظ. كما تشهد شركات تصنيع المعدات والتجهيزات الإلكترونية، مثل مصنّعي الألواح الكهربائية، ووحدات التبريد، وأجهزة توزيع الطاقة، طلباً غير مسبوق. فمراكز البيانات لا تُبنى فقط بجدران وسقف، بل تتطلب بنية تحتية كهربائية وتهوئة متطورة لضمان تشغيلها بكفاءة عالية دون انقطاع. ولهذا، أصبحت شركات التوريد والتركيب تُعتبر شركاء استراتيجيين في سلسلة التوريد لمشاريع الذكاء الاصطناعي. من أبرز الأمثلة على هذا التحول، تقدم شركات مثل "أي.إم.إي" (AECOM) و"بي.سي.إي" (Bechtel) و"كولسون" (Cushman & Wakefield)، التي توسّعت في مجالات التصميم والتنفيذ لمرافق البيانات، لتُصبح جزءاً لا يتجزأ من المشاريع الكبرى التي تُطلقها شركات التكنولوجيا الكبرى. كما ارتفعت أسهم شركات مثل "إيكو سولوشنز" و"فاندال" التي تُزوّد أنظمة التبريد المتطورة، بفضل تزايد الطلب على حلول تبريد فعّالة لوحدات المعالجة المتطورة التي تُستخدم في التدريب على نماذج الذكاء الاصطناعي. الاستثمار في هذه القطاعات لم يعد مجرد تحوّل مؤقت، بل يُعدّ تحوّلاً استراتيجياً في طبيعة الاقتصاد الرقمي. فالذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على البرمجيات أو الخوارزميات، بل يتطلب بنية تحتية مادية قوية تُمكن من تحمّل حجم البيانات الهائل والعمليات الحسابية المعقدة. وبما أن هذه البنية تتطلب تعاوناً واسعاً بين مختلف التخصصات، فإن الشركات غير التقنية أصبحت تلعب دوراً محورياً في تشكيل مستقبل التكنولوجيا. ومن الناحية الاقتصادية، يعكس هذا التحول تغيراً في هيكل القيمة داخل سلسلة التوريد. فبينما كانت الشركات التقنية تُعتبر المُحرّك الرئيسي في السنوات الماضية، أصبحت الشركات المُورّدة للمعدات والمقاولات تُسجّل عوائد أعلى، وتحظى بثقة المستثمرين بشكل متزايد. وترى بعض التحليلات أن هذا التحوّل قد يستمر لسنوات قادمة، خصوصاً مع التوقعات بتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات متعددة، من الرعاية الصحية إلى النقل والطاقة. في النهاية، يُظهر هذا التحول أن ثورة الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على البرمجيات، بل تمتد إلى مصانع، ومرافق، وأسلاك كهربائية، ومهندسين، ومقاولين. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، لا تُقاس الابتكارات فقط بسرعة الخوارزميات، بل أيضاً بقدرة البنية التحتية على دعمها.
