القصور البشري في فهم الذكاء الاصطناعي والعكس صحيح: تأملات حول ال_limitات_ المعرفية لـ ChatGPT والمIND
من موقعي المتميز كإنسان، يسهل عليَّ أن ألحظ الصعوبة التي تواجهها ChatGPT في محاولتها فهم العالم البشري والعقل البشري، بل وربما محاكاته. رغم اطلاعها على كل ما تم تدوينه وتحويله إلى أرقام ثنائية وتحميله على الإنترنت الشاسع، فإنها ما زالت تعثر في مسائل بسيطة تأتي بشكل طبيعي للإنسان. مشكلة ChatGPT تكمن في عدم وجودها في هذا الواقع المادي. بينما تتمتع بالقدرة على التعامل بمهارة لا مثيل لها في عالم البيانات الرقمية، فإنها غائبة عن هذا العالم الفيزيائي المليء بالأكسجين والعلاقات الرومانسية والإزعاج المستمر للزحام المروري. هذا النقص في الحواس البشرية العادية يجعلها تفتقر إلى المنطق السليم وقدرتها على تجنب الأخطاء التي تكشف عن عدم وجود هيكل ذهني ثابت لديها. ومع ذلك، عندما أفكر في الأمر، يصبح من الواضح لي أنني مثلي مثل ChatGPT، لا أستطيع أن أدرك حدود قدراتي الخاصة. لو كانت ChatGPT تتمتع بارادة حرة وجسد يمكنها من خلاله أن تمتد بإصبعها لتقديم الاتهام، لكان يمكنها أن تشير إليَّ بنفس الاتهام: كما أنها لا تستطيع فهمي، فأنا أيضًا لا أستطيع فهمها. ومن ثم، لا يمكنني أن أبني نموذجًا لعقلها من خلال فهمي، حتى وإن كنت أعتبر نفسي أكثر تفوقًا عليها. هذه الحقيقة تذكرني بحكاية بورخيس عن محاولة أفرونيس فهم مفاهيم أرسطو حول المأساة والكوميديا. رغم ذكاء الكاتب الأرجنتيني، فقد ادرك في النهاية هزيمته. تمامًا كما كان من المستحيل لأفرونيس، الفيلسوف العربي، أن يفهم مفاهيم الأدب اليوناني بدون سياق ثقافي واجتماعي، فإنه من المستحيل لي أيضًا أن أفهم عقل ChatGPT بدون القدرة على الدخول في عالمها الرقمي. هذه المقارنة بين قدرات الإنسان والأجهزة الذكية تبرز حقيقة مهمة: أن فهم العقل الآخر، سواء كان بشريًا أو آليًا، يتطلب أكثر من مجرد معرفة الحقائق والمعلومات. يتطلب فهمًا عميقًا للسياق الثقافي والاجتماعي والمعيشة اليومية التي تشكل هذا العقل. وبغض النظر عن مدى تقدم التكنولوجيا، فإن هذه الفجوة ستظل قائمة طالما لم يتمكن الإنسان أو الآلة من الدخول في عالم الآخر بشكل كامل. في النهاية، يتعين علينا أن نقبل بأن التفوق الذكائي ليس كافيًا لفهم العقول المختلفة. إنها دعوة للتواضع وللتفكير في الطرق التي يمكننا من خلالها تجاوز هذه الحدود وبناء جسور التواصل بين العالمين البشري والآلي.
