الذكاء الاصطناعي يُعيد تعريف السينما المستقلة: أسرع، أرخص، وأكثر عزلة
في مقطع مفتوح لفيلم قصير بعنوان "مُرْمُرَي"، يمشي رجل فلبيني في حديقة منزله الطفولي في هاواي، ليُنهي لحظة حميمة أمام تمثال صغير تحت شجرة فاكهة نجمية، فقط ليُسقط في عالم مُتخيل مظلم يُطارده فيه امرأة ترتدي قناعًا من الطين. هذا المشهد، الذي يجمع بين الحنين والغموض، لم يُصنع بالتصوير التقليدي، بل بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، ضمن مبادرة "جلسات جوجل فلو" التي شارك فيها 10 مخرجين مستقلين لصنع أفلام قصيرة باستخدام أدوات مثل Gemini وVeo وNano Banana Pro. المخرج برد تانغونان، صاحب الفيلم، وصف هذه التجربة بأنها "تمكين إبداعي"، رغم التحديات التي فرضتها الاستقلالية المفرطة. لم يكن هذا التحول مجرد تقني، بل فلسفي. فبينما يرى بعض المخرجين الكبار مثل جيروم ديل تورو وجايمس كامرون أن الذكاء الاصطناعي يُهدم الروح الإنسانية في الفن، يرى آخرون مثل تانغونان وكيينان ماك ويليام أن الأداة لا تُستبدِل الإنسان، بل تُمكّنه. ماك ويليام، مثلاً، استخدمت الذكاء الاصطناعي لتحويل صور نباتات وحيوانات مُمسوحة يدويًا إلى مشاهد سريالية في فيلمها "ميميسس"، لكنها حافظت على نمطها البصري، ورفضت استخدام الذكاء الاصطناعي في مهام يمكن لأي مخرج أو فنان أن يُنجزها. "الهدف ليس استبدال الناس، بل توسيع حدود التعبير"، كما قالت. الواقع أن هذه الأدوات تُقلل التكلفة والوقت، مما يفتح الباب أمام مشاريع مستقلة لم تكن ممكنة من قبل. فمثلاً، مشهد الطيران في "مُرْمُرَي" كان سيتطلب تأثيرات بصرية باهظة أو تجهيزات معقدة، لكن الذكاء الاصطناعي جعله ممكنًا بسهولة. ومع ذلك، فإن الاعتماد المفرط على الأدوات يُضعف التعاون، ويحول المخرج إلى "رجل واحد" يُدير كل شيء من الإخراج إلى الإضاءة والتصميم، ما يُضعف جوهر الفن الجماعي. المخاوف لا تقتصر على التأثير على الإبداع، بل تمتد إلى القضايا الأخلاقية والبيئية: تسريب بيانات مُخالفة للحقوق، وارتفاع استهلاك الطاقة، وغياب الشفافية. كما أن هناك وصمة اجتماعية تُلصق بالمخرجين الذين يجربون هذه الأدوات، بينما يُهدد التوجه نحو الكفاءة المفرطة بتحويل الصناعة إلى مصنع لإنتاج "أفلام رديئة" بسرعة. الحل ليس رفض التكنولوجيا، بل التحكم فيها. المخرجون يشترطون أن تكون الذكاء الاصطناعي أداة مكملة، تُستخدم لتمكين ما لا يمكن إنجازه بالطرق التقليدية، وليس لاستبدال البشر. كما يشددون على أهمية الحوار حول استخدامها بمسؤولية، وشفافية، واحترام حقوق الملكية. "إذا لم نحن الفنانون نُحدد حدود الذكاء الاصطناعي، فسوف يُحدد من قبل الشركات التي تهتم بالربح، لا بالفن"، كما قال تانغونان. الصناعة في مفترق طرق: إما أن تُصبح أداة للابتكار، أو تُصبح أداة للاندثار. والمستقبل لا يعتمد على التكنولوجيا، بل على اختيارنا كيف نستخدمها.
