ما وراء البساطة: اكتشافات جديدة تكشف أن أسلافنا الميكروبية كانت أكثر تعقيداً مما نعتقد، حيث امتلكت "أدوات جزيئية" متطورة قبل تطور الحياة المعقدة
تشير دراسات حديثة، نُشرت في دورية "نيشر ميكروبيولوجي"، إلى أن السلف الميكروبي الذي انبثق منه الكائنات الحية المعقدة كان أكثر تعقيدًا وتنوعًا مما كان يُعتقد سابقًا. فمنذ زمن بعيد، عاش سلفنا الواحد من الخلية في عالم خالٍ من النباتات والحيوانات والمحيطات الغنية بالأكسجين. ومع ذلك، اتخذت هذه الكائنات الدقيقة أول خطواتها نحو الحياة المعقدة. فمِنْ هذا السلف نشأت جميع الكائنات متعددة الخلايا التي نعرفها اليوم، بدءًا من الخميرة وصولًا إلى الحيتان الزرقاء، وتُعرف مجتمعة بـ"الحقيقيات النوى". وتتميز خلايا هذه الكائنات بوجود هياكل متخصصة مثل النواة وعضيات أخرى تؤدي وظائف محددة. لطالما افترض العلماء أن السلف الأحادي الخلية كان كائنًا بدائيًا شبيهًا بالبكتيريا، ومختلفًا تمامًا عن تعقيد خلايانا البشرية. غير أن الأبحاث الجديدة ترسم صورة مختلفة تمامًا، حيث تشير إلى أن السلف الميكروبي الخاص بنا كان يمتلك مجموعة أدوات جزيئية واسعة بشكل يفوق التوقعات. بما أنه لا يمكن العودة بالزمن لمراقبة تلك الحقبة، اعتمد الباحثون على دراسة السلالتين التابعتين لنفس السلف المشترك: من جهة "الحقيقيات النوى" (بما في ذلك البشر والحيوانات والفطريات)، ومن جهة أخرى "أشجارية الأركيا" (Asgard archaea). هذه الكائنات الدقيقة، التي اكتُشفت مؤخرًا في رواسب قاع البحر، تعتبر أقرباء تطوريين أبعداء للبشر. قام الفريق بقيادة البروفيسور ثييس إتيما من جامعة خنينجن بجمع عينات من أكثر من 400 نوع من أشجارية الأركيا من سواحل الصين والمكسيك، ودرس معلوماتها الجينية. وعلى الرغم من أن التحليل المباشر لتسلسل الحمض النووي (DNA) أظهر تشابهًا محدودًا بين المجموعتين بسبب مرور ملياري عام من التطور وتغير التسلسلات الجينية، إلا أن الفريق ركز تحليله على مستوى البروتينات. إذ أن بنية البروتين ثلاثية الأبعاد تتغير ببطء أكبر من تسلسل الحمض النووي، مما يجعلها مؤشرًا أدق على العلاقات التطورية البعيدة. باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة مثل ألفا فولد (AlphaFold)، تنبأ الباحثون بالبنية ثلاثية الأبعاد لأكثر من 35 ألف بروتين من أشجارية الأركيا وقارنوها مع بروتينات الكائنات الحية المعقدة. كانت النتيجة مذهلة: وجد الباحثون أن أشجارية الأركيا تحتوي على حوالي 1300 بروتين كان يُعتقد سابقًا أنها توجد حصريًا في الكائنات الحية المعقدة. وتشارك هذه البروتينات في عمليات حيوية مثل النقل داخل الخلية، وتخزين المواد، وتكوين حجرات خلوية، وهي سمة مميزة لخلايا البشر. ونظرًا لوجود هذه البروتينات في السلالتين، فمن المرجح جدًا أنها تورثت من السلف المشترك. وهذا يعني أن سلفنا الميكروبي كان يملك مجموعة أدوات جزيئية أوسع بكثير مما كان يُعتقد. وتدعم الملاحظات الميكروسكوبية هذه النتائج بشكل متزايد. وعلى الرغم من صعوبة زراعة أشجارية الأركيا في المختبر، حيث تنمو ببطء شديد وتحتاج إلى بيئات قليلة الأكسجين، تمكن العلماء مؤخرًا من زراعتها في ظروف مضبوطة. وكشفت الدراسات الميكروسكوبية عن ميزات هيكلية غير متوقعة، بما في ذلك نتوءات تشبه الأهداب تستخدم للحركة، بالإضافة إلى جسيمات وحجرات داخلية تشبه تلك الموجودة في الخلايا حقيقية النوى. ويشير المشهد أيضًا إلى تحول آخر مهم، حيث تم العثور مؤخرًا على أشجارية الأركيا في بيئات غنية بالأكسجين، وليس فقط في المناطق الخالية منه، ووجدت جينات في حمضها النووي تشارك في معالجة الأكسجين. وهذا يشير إلى قدرة بعض هذه الكائنات على التنفس باستخدام الأكسجين لتوليد الطاقة، وهو أمر كان يعتبر سميًا للكائنات الأولى على الأرض. ورغم أن آلية استهلاك الطاقة بالأكسجين في الكائنات الحقيقية النوى تعتمد على الميتوكوندريا، إلا أن إمكانية أن تكون هذه القدرة موروثة أو مكتسبة لاحقًا لا تزال قيد الدراسة. في النهاية، ساهم التطور التكنولوجي الهائل في مجالات تسلسل الحمض النووي وتنبؤ بنية البروتينات بالذكاء الاصطناعي في تأكيد ما كان يخمنه العلماء منذ عقد من الزمن. ورغم أن الشكل الدقيق للسلف القديم والوظيفة الدقيقة لبروتيناته القديمة لا تزال أسئلة مفتوحة، فإن الأدلة الحالية لا تدع مجالًا للشك في أن هذا السلف البعيد كان يمتلك بالفعل الإمكانات الكامنة لتطور الخلايا المعقدة التي تتكون منها أجسادنا اليوم.
