تاو: الذكاء الاصطناعي يحوّل براهين الرياضيات إلى نفايات سامة
حذّر عالم الرياضيات الحائز على ميدالية فيلدز، تيرينس تاو، أستاذ جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، من أن سباق الذكاء الاصطناعي حول حل المشكلات الرياضية قد يحول البراهين إلى عبء معرفي، بعد أن أصبحت الشركات الكبرى تتنافس على تقديم عدد أكبر من الحلول في وقت أقصر، بينما يبقى فهم البرهان وتطويره مهمة مرهقة للرياضيين. وفي حديث مصور مع محرر العلوم في صحيفة المراقب البريطانية، جيمس تابر، انتقد تاو شركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك لتركيزها على اختبار قدرات النماذج عبر مشاكل رياضية صعبة، دون اهتمام مماثل بجودة البراهين وسهولة مراجعتها وقدرتها على إثراء المعرفة الرياضية. وقد أثار هذا النقاش إعلان شركة أوبن إيه آي نتائج تتعلق بسبعمئة اثنين وعشرين مسألة رياضية لم تكن محلولة، ما اضطر المجتمع الرياضي إلى بذل جهد كبير لفحص تلك النتائج وتنظيمها. ووصف تاو عدداً من البراهين غير المعالجة بالدقة الكافية بأنها نفايات سامة، لأنها تستهلك وقت الباحثين وقد لا تكشف عن الأفكار الرياضية الجوهرية الكامنة خلفها. كما كشف تاو أن أوبن إيه آي زادت اهتمامها بمسألة كبيرة في الرياضيات، هي معادلات نافييه-ستوكس، بعد أن أشارت تقارير إلى اقتراب أنثروبيك من تقدم في أحد مسائل اليوبيل الألفي. وقال إن الشركة خصصت موارد ضخمة، وعشرات الملايين من الدولارات، وعشرة آلاف وكيل ذكاء اصطناعي لهذا الغرض، وإنها أوقفت مؤقتاً تسجيل مستخدمين جدد في بعض خدماتها لتحويل الحوسبة إلى البحوث الرياضية. غير أن أوبن إيه آي نفت هذه الوقائع، وأكدت عدم وجود نية لإخفاء النتائج أو نشرها بشكل متعجل، مشيرة إلى مخصصات بقيمة خمسة ملايين دولار لمساعدة المجتمع الرياضي على فحص الاكتشافات وفهمها وتطويرها. وتجاوز انتقاد تاو جانب التنافس، ليطال التحول في فلسفة البحث الرياضي. ففي حين يرى أن الذكاء الاصطناعي قادر على توليد إجابات سريعة، شدد على أن الرياضيات ليست مجرد وصول إلى جواب صحيح، بل تتضمن تطوير مفاهيم جديدة، وصياغة أدلة مفهومة، وربط الأفكار القديمة بالحديثة. واستخدم مثالاً يوضح أن الحصول على النتيجة نيابة عن الباحث لا يغني عن تجربة التفكير، تماماً كما أن أداء آلة للتمارين الرياضية لا يجعل الجسد أكثر قوة. ورغم هذا التحفظ، دعا تاو إلى عصر جديد للرياضيات يعتمد على فهم عميق للأدلة التي تنتجها الآلات، لا على تكديسها. وكان قد شارك في بيان موقع من باحثين بارزين في سبتمبر يتهم شركات الذكاء الاصطناعي بإضعاف جوهر البحث عبر تحويل المسائل الرياضية إلى مؤشرات أداء، ثم كتب في مجلة نيتشر في أكتوبر مطالباً بإعادة تنظيم الثقافة الأكاديمية لتضع الفهم الإنساني في مركز العملية البحثية. ولم يكتف تاو بالمواقف النقدية؛ فهو يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بنفسه، ويسعى إلى تطوير أطر جديدة لدراسة التعقيد في الأشكال الهندسية والبنى اللغوية داخل النماذج الكبيرة. ويرى أن الآلة قد لا تحل محل الرياضيين، بل قد تفتح أسئلة رياضية جديدة، مثل قياس درجة تعقيد المعطيات اللغوية في فضاءات ذات أبعاد مرتفعة. وتكشف هذه المواقف أن المعركة الحالية في الرياضيات ليست فقط حول من يحل المشكلة أولاً، بل حول من يتحكم في طريقة إنتاج المعرفة، ومن يملك حق الفحص والتفسير، ومن يستطيع الوصول إلى أدوات الفهم التي قد تصبح شرطاً أساسياً للمشاركة في البحوث المتقدمة.