الذكاء الاصطناعي يطمس الحقيقة ويصعب التحقق من الواقع
يحذر الخبير في الطب الشرعي الرقمي هاني فيريد، الأستاذ السابق بجامعة كاليفورنيا بيركلي والمؤسس المشارك لشركة GetReal المتخصصة في التحليل الجنائي الرقمي، من أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وصل إلى مرحلة أصبح فيها التمييز بين المحتوى الحقيقي والمُعدّ آلياً شبه مستحيل للجمهور العادي. وتشير الدراسات الإدراكية إلى ضعف الأنظمة البصرية والسمعية البشرية أمام التلاعب الرقمي المعاصر، مما يستدعي الاعتماد الحصري على الأدوات الحسابية والرياضية المتخصصة للكشف عن التزوير. يعود اهتمام فيريد بهذا المجال إلى عام 1999 عند بدايته الأكاديمية في جامعة دارتموث، حيث تنبأ مبكراً بأن الطبيعة القابلة للتعديل الرقمي للوسائط ستشكل تحدياً قضائياً وإعلامياً مستقبلياً. وفي العقود الأولى، اعتمد الكشف على البحث عن أخطاء بشرية واضحة مثل تضارب الظلال أو الخرائط الوصفية، لكن تطور الذكاء الاصطناعي غيّر قواعد اللعبة جذرياً، إذ لم تعد الحاجة إلى مهارة أو وقت طويل، بل اكتفى المستخدم بوصل إنترنت لتنفيذ تعديلات معقدة كانت مستحيلة قبل عقد من الزمان. وتتميز الصور الآن بواقعية بصرية عالية، يليها الصوت بمرونته في النبرات والتوقفات، بينما يتحرك الفيديو نحو تجاوز مرحلة الوادي الغريب، خاصة مع انتشار مقاطع قصيرة تصل إلى ثلاثين أو أربعين ثانية يتم دمجها تقنياً. ورغم أن النماذج الحالية لا تزال تفتقر إلى الفهم الحقيقي للفيزياء والبصريات، مما يترك علامات خفية تتيح للخبراء اكتشاف التزوير، فإن عملية المصادقة تبقى معقدة، حيث يستغرق فحص المحتوى ساعة واحدة تقريباً، وهي مدة طويلة جداً في بيئة الإنترنت التي تنتشر فيها الفيديوهات بملايين المشاهدات في دقائق. ويؤكد فيريد أن التحدي الأكبر ليس تقنياً فحسب، بل اجتماعي وسياسي، حيث أدى الانتشار السريع للمحتوى المصطنع إلى تآكل الثقة في الحقائق المشتركة، مما يهدد أساسيات الحوار الديمقراطي والاستقرار المجتمعي. فبدون أرضية مشتركة من الحقائق الموثقة، تتحول المناقشات العامة من الخلاف على السياسات إلى الجدل في البديهيات، مما يعيق قدرة المؤسسات على أداء مهامها بشكل سليم. وتستمر المنصات التقنية في تطوير آليات كشف أسرع، إلا أن وتيرة إنتاج المحتوى التوليدي تفوق قدرة التحقيقات التقليدية، مما يستلزم إعادة هندسة عمليات المصادقة الرقمية لتواكب سرعة انتشار المعلومات على المنصات العالمية.
