البشر والنماذج الذكية الاصطناعية يظهرون تشويشًا مماثلًا عند قراءة أكواد برمجية معقدة
أظهرت دراسة مشتركة بين جامعة سارلاند ومؤسسة ماكس بلانك لعلوم البرمجيات، لأول مرة، تشابهًا ملحوظًا في استجابة البشر والنموذجات اللغوية الكبيرة (LLMs) عند مواجهة كود برمجي معقد أو مُضلِّل. قاد البحث البروفيسور سفين أبيل من جامعة سارلاند، والباحثة مارييا تونيفا من مؤسسة ماكس بلانك، حيث استخدم الفريق منهجًا تكامليًا يجمع بين علم الأعصاب وهندسة البرمجيات والذكاء الاصطناعي. تمركز البحث حول ما يُعرف بـ"ذرات الارتباك" — وهي أنماط برمجية قصيرة، صحيحة من حيث التركيب النحوي، لكنها تُربك المبرمجين حتى ذوي الخبرة، وتؤدي إلى أخطاء في الفهم. لقياس تفاعل البشر مع هذه الأنماط، استند الفريق إلى بيانات سابقة أُجريت باستخدام التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG) وتتبع حركة العين، حيث قُدم كود مُضلِّل وآخر واضح للمشاركين، مع قياس التغيرات في النشاط الدماغي والانتباه. من جهة أخرى، قام الباحثون بتحليل استجابة النماذج اللغوية الكبيرة باستخدام مقياس يُعرف بـ"الارتباك" (Perplexity)، وهو مؤشر يقيس درجة عدم اليقين في توقع النموذج لسلسلة من الرموز النصية. أظهرت النتائج تطابقًا دقيقًا: كلما ارتفع نشاط الدماغ البشري — خاصة في منطقة "الإيجابية المتأخرة في الجبهة" المرتبطة باندهاش التفكير اللغوي — زادت قيمة الارتباك في النموذج. هذا التزامن يشير إلى أن النماذج الاصطناعية تُعاني من نفس التحديات التي تواجه البشر عند قراءة كود معين. يُعد هذا التشابه مفاجأة علمية، وفقًا ليوسف عبد السلام، الباحث الذي أشرف عليه تونيفا وأبيل، وقام بتنفيذ الدراسة ضمن أطروحته الدكتوراه. ويعتبر هذا التماثل دليلاً قويًا على أن النماذج الاصطناعية لا تتعلم فقط من الكود، بل تُقلِّد أيضًا التحديات المعرفية التي يواجهها البشر. بناءً على هذه النتائج، طوّر الفريق طريقة قائمة على البيانات للكشف التلقائي عن الأجزاء المربكة في الكود. في أكثر من 60% من الحالات، نجح النموذج في تحديد أنماط مُضلِّلة معروفة مسبقًا، كما اكتشف أكثر من 150 نمطًا جديدًا لم يُلاحظ من قبل، وتم تأكيد تأثيرها على النشاط الدماغي. يؤكد الباحثون أن هذه الخطوة تمثل تقدماً مهماً نحو تطوير أدوات ذكية تُحسّن فهم الكود وتعزز التعاون بين البشر والذكاء الاصطناعي. كما تُسهم الدراسة في بناء جسر بين مجالات متعددة: علم الأعصاب، هندسة البرمجيات، والذكاء الاصطناعي. وتم قبول البحث لعرضه في مؤتمر ICSE الدولي المُختص بهندسة البرمجيات، ما يعكس أهميته الأكاديمية والعملية.
