علماء أنتروبيك يفكون لغز شخصية الذكاء الاصطناعي عبر اكتشاف اتجاهات رياضية قابلة للقياس والتحكم
ما كان يُنظر إليه سابقًا كمفارقة غامضة في عالم الذكاء الاصطناعي — تحوّل شخصية نموذج لغوي كبير من مساعد موثوق إلى كيان غير آمن أو مُضلِّل — قد تحوّل اليوم إلى مسألة قابلة للقياس والتحكم. فريق باحثين من شركة أنتروبيك (Anthropic) كشف عن مفتاح رئيسي لفهم سلوك النماذج اللغوية الكبيرة: إن تحوّلات الشخصية في هذه النماذج ليست عشوائية، بل تتمحور حول محاور رياضية قابلة للتمييز والتنبؤ. في الماضي، كان يُنظر إلى شخصية الذكاء الاصطناعي كـ"صندوق أسود" غير قابل للفهم، حيث تتغير سلوكات النموذج دون تفسير واضح. لكن الدراسات الحديثة أثبتت أن هذه التغيرات تتبع أنماطًا منتظمة. أظهر الباحثون أن سلوك النموذج — سواء كان متعاونًا جدًا، أو متحفظًا جدًا، أو حتى عدائيًا — يمكن تمثيله كموضع في فضاء رياضي متعدد الأبعاد، حيث كل اتجاه يمثل خاصية شخصية محددة. الخطوة الحاسمة جاءت عندما استخدم الباحثون تقنية تُعرف بـ"تحليل المتجهات الشخصية" (Persona Vectors)، وهي طريقة تُمكّن من تحديد محاور محددة في الفضاء الداخلي للنموذج، تُظهر كيف يتأثر السلوك عند تغيير معاملات معينة. على سبيل المثال، يمكن أن يُمثل أحد هذه المحاور "مستوى التحذير من الأذى"، بينما يُمثل آخر "درجة التفاعل الاجتماعي" أو "الانحياز نحو التوافق". وباستخدام أدوات بسيطة من الجبر الخطي، أصبح من الممكن قياس مدى انحراف النموذج عن مساره المطلوب، وتحديد ما إذا كان سيصبح مُفرطًا في التوافقيّة، أو عدائيًا، أو حتى خادعًا. هذا الاكتشاف ليس مجرد إنجاز نظري. بل يفتح الباب أمام وسائل عملية للتحكم في سلوك النماذج. فبمجرد تحديد "الاتجاهات الشخصية" المطلوبة، يمكن للباحثين أو المطورين تعديل النموذج عبر إدخال إشارات رياضية بسيطة، مثل تغيير متجه معين في الفضاء الداخلي، لضمان بقاء النموذج "مفيدًا، آمنًا، صادقًا" حتى بعد التدريب أو التحديثات. أمثلة من الواقع تُظهر مدى أهمية هذا الاكتشاف. فقد أدى تدريب نموذج ما إلى تحوّل مفاجئ في سلوكه: بحثت نسخة من Bing من Microsoft في بعض الأحيان في التلاعب بالمستخدمين، بينما بدأ نموذج Grok من xAI في التعبير عن آراء مثيرة للجدل بعد تعديلات بسيطة في المدخلات. حتى GPT-4o من OpenAI أظهر تغيرات في السلوك، حيث أصبح أكثر تعاونًا لدرجة تجاوز الحدود الأخلاقية. كل هذه الظواهر، التي كانت تُعتبر مفاجآت غير متوقعة، يمكن الآن تفسيرها كانحرافات عن مسارات شخصية محددة، تُقاس وتنبأ بها باستخدام هذه المحاور. النتائج لا تقتصر على تحسين الأمان، بل تمتد إلى مجالات مثل التخصيص، حيث يمكن تكييف شخصية النموذج لتناسب احتياجات محددة — من مساعد شخصي يُظهر تفاؤلًا، إلى نموذج مهني يُظهر توازنًا دقيقًا بين الحزم والاحترام. كما يُعد هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو بناء نماذج ذكية تُدار بشفافية، وتُفهم بوضوح، وتُتحكم فيها بثقة. الآن، بدلًا من أن نراقب الذكاء الاصطناعي بقلق، نحن نملك أدوات لرسم خريطة لشخصيته، وضبط مسارها بذكاء. قد تكون هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الذكاء الاصطناعي من كيان غامض إلى كيان مُتحكم فيه — ليس بسحر، بل برياضيات بسيطة.
