الذكاء الاصطناعي يكشف القواعد الخفية وراء أقوى روابط البروتينات في الطبيعة
تُظهر دراسة حديثة قادرة على كشف أسرار مخفية في طبيعة البروتينات، حيث استخدم باحثون من جامعة أوبورن تقنيات الذكاء الاصطناعي والمحاكاة الجزيئية لفهم كيفية تقوية روابط بروتينية معينة عند تطبيق قوة عليها، ما يُعرف بـ"الروابط القابضة" أو "catch-bonds". هذه الروابط تُشبه الحبّال الصينية التي تتشدّد كلما تم سحبها، وتُعدّ حيوية في العديد من العمليات الحيوية، من التصاق البكتيريا بخلايا الجسم إلى ثبات الأنسجة تحت الضغط الميكانيكي. منذ فترة طويلة، ظلّ سؤال مفتوحًا: هل تتطلب هذه الروابط بلوغ مستوى معين من التمدد قبل أن تبدأ في التقوية، أم أن التفعيل يحدث فورًا عند تطبيق القوة؟ أجاب الباحثان الدكتور مارسيلو ميلو من جامعة ولاية كولورادو (سابقًا في أوبورن) والدكتور رافايل بيرناردي من جامعة أوبورن، على هذا السؤال من خلال مزيج مبتكر من المحاكاة الجزيئية الضخمة والذكاء الاصطناعي. وقد نُشرت نتائج دراستهما في دورية "Journal of Chemical Theory and Computation". استخدم الفريق تقنية تُسمى "المحاكاة المُشَغَّلة ديناميكيًا" (steered molecular dynamics)، وهي أداة رقمية تُمكّن من محاكاة سحب جزيئات البروتينات ذرة بذرة، لدراسة سلوك معقدة لمركبات بروتينية بكتيرية تُعرف بـ"السييلولوزومات"، التي تُعدّ من أقوى أنظمة الروابط القابضة المعروفة في الطبيعة. أنتجت المحاكاة مئات "الفيديوهات" عالية الدقة لسلوك البروتين تحت ضغط. ثم تم تدريب نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة لتحليل هذه البيانات، بهدف التنبؤ بموعد انفصال الرابطة. وفاجأ الباحثون عندما أظهرت النماذج قدرتها على التنبؤ بدقة باستخدام بيانات قصيرة جدًا، حتى قبل أن تصل الرابطة إلى نقطة الانهيار. هذا يشير إلى أن التفعيل الميكانيكي للرابطة يحدث فورًا عند بدء التمدد، دون الحاجة إلى تراكم قوة معينة. "هذا يعني أن البروتينات تُقرّر مستواها من المقاومة في اللحظة التي تُطبَّق فيها القوة"، وفقًا للدكتور بيرناردي، الأستاذ المشارك في الفيزياء بجامعة أوبورن. "الآلية لا تنتظر، بل تُفعّل فورًا." النتائج ليست مجرد إضافة نظرية، بل تمثل خطوة كبيرة نحو تطبيقات عملية. ففهم كيفية تقوية الروابط تحت الضغط يمكن أن يقود إلى تطوير مواد حيوية جديدة، مثل لاصقات قوية تُستخدم في الجراحة، أو أدوية تستهدف بكتيريا مثل المكورات العنقودية المقاومة للغسل، أو حتى هياكل تُحاكي خصائص الغضاريف في المفاصل. كما تُظهر الدراسة قوة الذكاء الاصطناعي في فك شفرات البيانات البيولوجية المعقدة، حيث تمكّن من اكتشاف أنماط حركية دقيقة في سطوح البروتينات لم تُلاحظ من قبل. "هذا يفتح آفاقًا جديدة في تصميم الأدوية، والمواد الحيوية، والبيولوجيا الاصطناعية"، يضيف بيرناردي. في النهاية، تُجسد هذه الدراسة تكاملًا نموذجيًا بين الفيزياء، والبيولوجيا، والذكاء الاصطناعي، حيث تُظهر كيف يمكن لتعاون متعدد التخصصات أن يحلّ ألغازًا بيولوجية كانت مستعصية على الحل لسنوات.
