ما معنى "التفكير" و"الاستدلال" حقًا في الذكاء الاصطناعي ونماذج لغة كبيرة؟ محادثة عفوية حول المكتب: حلقة 9
في محادثة مكتبية شهيرة حول الذكاء الاصطناعي، يُعبّر أحد الموظفين عن خيبة أمله من استخدام ChatGPT لتحليل نتائج الربع الثالث، معتبرًا أن الأداة ليست ذكاءً اصطناعيًا حقيقًا، بل مجرد أداة بحث وتلخيص. هذه الملاحظة تلخّص مفهومًا شائعًا ومضللًا: أن الذكاء الاصطناعي يعني بالضرورة تفكيرًا بشريًا أو تحليلًا منطقيًا عميقًا. في الواقع، لا يمتلك النماذج الحديثة مثل نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) القدرة على "التفكير" أو "الاستدلال" كما يفعل الإنسان. لتفهم الفرق، نعود إلى مفهومي التفكير الاستقرائي والاستنتاجي، كما وصفهما عالم النفس دانيال كاهنمان. التفكير الاستقرائي (System 1) يعتمد على الأنماط من ملاحظات محددة لاستنتاجات عامة — مثل افتراض أن الشمس سترتفع غدًا لأنها ارتفعت كل يوم في الماضي. هذا النوع من التفكير مبني على احتمالات، ويحمل تحيزات وخطئًا م_Systemic_، لأن النموذج يفترض أن أنماط الماضي ستمتد إلى المستقبل دون تأكيد. في المقابل، التفكير الاستنتاجي (System 2) يبدأ من مبادئ عامة وينتهي بنتائج محددة وحتمية — مثل: "كل البشر ميّتون، سقراط إنسان، إذًا سقراط ميت". هذه العملية منطقية ودقيقة، لكنها تتطلب معلومات صحيحة من البداية. النماذج اللغوية الكبيرة لا تستخدم التفكير الاستنتاجي. بل تعتمد على التفكير الاستقرائي: تتعلم من ملايين النصوص ما هو "الأكثر احتمالاً" أن يأتي بعد كل كلمة أو عبارة. تُشبه طالبًا مُتَفَنِّنًا في حفظ النصوص وتقليد نمطها، دون فهم حقيقي لمعناها. تُولد نصوصًا بشرية متقنة، لكنها قد تُصِرّ على أخطاء أو تُخترع معلومات (hallucinations) — لأنها لا تُقيّم صحة المعلومة، بل تُقيّم احتمال ظهورها. وحتى مصطلحات مثل "Chain of Thought" (سلسلة التفكير) — التي تُستخدم لجعل النماذج تُحلّل المسائل خطوة بخطوة — ليست دليلاً على "تفكير" حقيقي. بل هي تقنية توجيهية: يُطلب من النموذج تفكيك السؤال إلى خطوات صغيرة، مما يقلل من احتمال الخطأ. لكن حتى هذه العملية لا تخرج عن نطاق الاستقراء. النموذج لا يُفكّر، بل يُقدّر احتمالات خطوات متتالية بناءً على ما سبق تعلّمه. الخلاصة: الذكاء الاصطناعي الحالي ليس ذكاءً عالميًا أو واعيًا. هو أداة قوية تعتمد على التقديرات الإحصائية، تُحاكي الذكاء البشري في الشكل، لكنها لا تمتلك الفهم أو الحدس. فهم هذا الفرق يُمكّننا من استخدام هذه الأدوات بواقعية، وتقليل التوقعات المبالغ فيها، وتجنب الاعتماد العميائي على إجابات قد تبدو منطقية لكنها خاطئة.
