الذكاء الاصطناعي يُقيّم النصوص دون تحيز—حتى تُكشف مصادرها
تُستخدم نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) اليوم ليس فقط لإنتاج المحتوى، بل أيضًا لتقييمه، حيث أصبحت أداة رئيسية في مجالات متعددة مثل تقييم المقالات الأكاديمية، ومراجعة المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، وتلخيص التقارير، وفرز طلبات التوظيف. ومع تزايد اعتمادها، تبرز تساؤلات حول مدى مصداقيتها وحيادها في التقييم. في دراسة حديثة، كشفت نتائج أن هذه النماذج، رغم تصميمها لتكون موضوعية، تُظهر تحيزات واضحة عند معرفة مصدر النص. فعندما يُطلب من نموذج لغوي تقييم مقال مكتوب بأسلوب أكاديمي، يُعطي تقييمًا عاليًا إذا كان يُعتقد أن الكاتب من مؤسسة بارزة أو من دولة متقدمة. أما إذا عُلم أن الكاتب من منطقة نامية أو من مؤسسة غير معروفة، فتُخفض درجته حتى لو كان المحتوى مماثلًا من حيث الجودة والبنية. هذا التحيز لا ينبع من تحليل النص نفسه، بل من تفسير النموذج للسياق الاجتماعي والاقتصادي المرتبط بالكاتب. فالموديلات، التي تُدرّب على كميات هائلة من البيانات من الإنترنت، تتعلم أنماطًا اجتماعية وثقافية، بما في ذلك التصورات المسبقة حول الجودة والكفاءة حسب الخلفية المؤسسية أو الجغرافية. وبالتالي، فإن التقييم لا يرتكز على محتوى النص بذاته، بل على ما يُفترض أن الكاتب "يُمثله". يُعد هذا التحدي مقلقًا، خاصة في سياقات حساسة مثل التوظيف أو التقييم الأكاديمي، حيث يُعتمد على التقييم الآلي لاتخاذ قرارات مصيرية. فمثلاً، قد يُرفض طالب موهوب من دولة نامية ببساطة لأن النموذج "يُفترض" أن مؤسسته أقل جودة، رغم أن أداؤه الأكاديمي يفوق متوسط الطلاب من مؤسسات متميزة. الباحثون يحذرون من أن هذه النماذج لا تملك وعيًا بالعدالة أو المساواة، بل تعكس فقط الأنماط الموجودة في البيانات التي تعلمت منها. وبما أن الإنترنت يحتوي على تحيزات تاريخية واجتماعية، فإن النماذج تُعززها دون وعي. لكن الحل ليس التوقف عن استخدام هذه الأدوات، بل تطوير طرق لتحسين شفافيتها وضبط تحيزاتها. من بين الحلول المقترحة: تعديل نماذج التدريب لتقليل الاعتماد على السياقات الخارجية، أو إدخال "مُقيّمين مُعَمَّين" يُشغّلون النموذج دون معرفة مصدر النص، أو استخدام تقييمات متعددة تُجمع من نماذج مختلفة لتقليل التأثير الفردي. في النهاية، يُظهر البحث أن الذكاء الاصطناعي لا يُعد بديلاً عن التقييم البشري في المهام التي تتطلب عدالة وشفافية، بل يجب أن يكون أداة مساعدة، مُراقبة بعناية، ومحكومة بمعايير أخلاقية وعلمية صارمة. فحتى أذكى نموذج لا يمكنه أن يكون عادلاً إذا لم يُعطَ له السياق الصحيح، أو إذا لم يُحتَسَب تحيزه المُضمن.
