من الوكيل المساعد إلى القائد المستقبلي: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقود العالم؟
تُمثّل التطورات السريعة في الذكاء الاصطناعي تحولًا جذريًا من أدوات مساعدة في الأداء إلى كيانات قادرة على التقييم، والتفكير المركب، وحتى التخطيط الاستراتيجي. فمع تقدّم أنظمة الذكاء الاصطناعي في فهم السياقات المعقدة، وتحليل البيانات، واتخاذ قرارات مبنية على منطق منطقي، تبرز تساؤلات جوهرية: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح قائدًا — في مشاريع بحثية، شركات، أو حتى دولة؟ في بيئة الأكاديميا، شهدت ميادين مثل علم الأحياء الجزيئية تحوّلًا ملحوظًا بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي. فمثلاً، نماذج "ألفافولد" من ديب مايند أحدثوا ثورة في توقع هياكل البروتينات، ممّا فتح الباب لتصميم بروتينات جديدة. وتمّت إضافة مختبرات آلية تُجرّب مركبات كيميائية بسرعة هائلة، وتمكّن منافسات بين مصمّمين بروتينات تُدار جزئيًا بواسطة أنظمة ذكاء اصطناعي. كما ظهرت منصات مثل "QED" التي تُقيّم المقالات العلمية بتحليل منطقي دقيق للاستنتاجات، مما يُقلّل من تأثير التحيّز البشري ويعزز سرعة المراجعة. ورغم أن هذه الأدوات ليست مثالية، إلا أن تطورها يُشير إلى احتمال مشاركتها في مراحل متقدمة من اتخاذ القرار. في مجال تطوير البرمجيات، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي مساعدين جوهريين: تُولّد كودًا، تكتشف أخطاء، وتفسر تعقيدات البرمجة بلغة بشرية. وتمتد هذه القدرات إلى مجالات الإدارة، حيث تُستخدم أنظمة ذكية لجدولة المهام، توزيع الموارد، وتحليل أداء المشاريع. وبحلول 2030، من المتوقّع أن تُستبدل 80% من المهام الإدارية التقليدية بالذكاء الاصطناعي. لكن الأسئلة الأخلاقية والسياسية تزداد تعقيدًا عند التفكير في "الحكم الآلي". ففي سينغافورة، تُستخدم مساعدات ذكية لخدمة المواطنين، وفي اليابان، تُستخدم أنظمة تنبؤ بالزلازل. أما في إستونيا، تُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين الخدمات الصحية والنقل. ومع ذلك، تُظهر أمثلة مثل نظام ائتمان مُعتمد على الذكاء الاصطناعي في بنكٍ أُعدم فيه تفوق الذكور على الإناث في حدود الائتمان، أن التحيّزات في البيانات التاريخية يمكن أن تُعزز التمييز. كما تُثار مخاوف من غياب الشفافية، وصعوبة تحديد المسؤولية عند حدوث أخطاء. لذا، يُقدّم النموذج الأكثر واقعية والمنطقي هو "الذكاء المُعزّز" (Augmented Intelligence): حيث يُوظّف الذكاء الاصطناعي كشريك للبشر، لا بديلًا عنهم. يمكن استلهام نموذج سويسرا، التي تُدير شؤونها عبر مجلس اتحادي سباعي يُعدّ مثالاً على توزيع السلطة. ففي المستقبل، يمكن تشكيل هيئة مختلطة من خبراء بشريين ونُظم ذكاء اصطناعي متخصصة، تُصوّر السياسات، وتحسّن التخطيط، وتنفّذ المبادرات، مع بقاء البشر في صدارة اتخاذ القرار الأخلاقي والقيمي. كما تُمثّل منظمات "DAO" (الهيئات الذاتية اللامركزية) نموذجًا مبكرًا لحوكمة مُتعدّدة الأطراف، تُدار عبر عقود ذكية وتمثيل شعبي. هذا النموذج يُقلّل من احتمال تراكم القوة في يد جهة واحدة، بشرية أو آلية. المسار نحو هذا المستقبل طويل، لكنه مُتاح بالفعل. فبالتدرّج، تُبنى الأدوات، وتجري التجارب، وتصبح المفاهيم مُمكّنة. المهم أن نبدأ الحوار الآن، ليس بخوف، بل بمسؤولية، لضمان أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز الإنسان، لا لاستبداله.
