شبكة عصبية تكتشف إنزيمًا قادرًا على تحليل البولي يوريثين
في خطوة تُعدّ من أبرز الإنجازات في مجال الكيمياء الحيوية والبيئة، طوّر باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وشركة "أكسيوم" للابتكار البيئي، إنزيمًا جديدًا قادرًا على تفكيك البولي يوريثين – مادة صناعية شائعة جدًا في الإسفنج، والبطانات، والمواد العازلة – إلى مكوناتها الأساسية في غضون بضع ساعات فقط. الإنزيم، الذي سُمي بـ"PU-1"، تم اكتشافه باستخدام شبكة عصبية اصطناعية (Neural Network) قادرة على تحليل ملايين التفاعلات المحتملة بين البروتينات والمركبات العضوية. بدلًا من الاعتماد على التجارب الميدانية الطويلة، استخدم الباحثون نموذجًا ذكيًا تدرب على بيانات هياكل البروتينات وخصائصها، ليتنبأ بأي بروتينات قد تمتلك القدرة على تحلل البولي يوريثين. النتيجة: بعد نحو 12 ساعة من التفاعل مع قطعة من الإسفنج البولي يوريثيني، يتحول المركب إلى مكونات كيميائية قابلة لإعادة الاستخدام، مثل الأحماض والكحولات، دون الحاجة إلى درجات حرارة عالية أو مواد كيميائية ضارة. هذه العملية تُعدّ تقدمًا كبيرًا مقارنة بالطرق التقليدية، التي تُعدّ بطيئة، مكلفة، وغالبًا ما تُنتج نفايات سامة. يُعدّ البولي يوريثين من أصعب المواد التخلص منها، إذ يُقدّر أن أكثر من 10 ملايين طن تُنتج سنويًا، وغالبًا ما تنتهي في المكبات، حيث يمكن أن تبقى مائة عام أو أكثر دون تحلل. وبحسب الدراسات، يُقدّر أن 80% من النفايات البلاستيكية لا تُعاد تدويرها، ما يجعل مثل هذه الحلول ضرورية لمواجهة الأزمة البيئية. الإنزيم الجديد لا يقتصر فقط على التحلل السريع، بل يُظهر استقرارًا ملحوظًا في ظروف مختلفة من درجة الحموضة ودرجة الحرارة، ما يُسهل تطبيقه في مصانع إعادة التدوير. وتمت محاكاة العملية في مختبرات صغيرة، وتم التأكد من فعاليته في تفكيك مادة البولي يوريثين بمستويات تجارية. يُتوقع أن تُسهم هذه التقنية في تقليل الاعتماد على النفط في إنتاج البولي يوريثين، حيث يمكن استخلاص المواد الأولية من النفايات بدلاً من استخراجها من مصادر طبيعية. كما تفتح الباب أمام تطوير "اقتصاد دائري" في صناعة المواد البلاستيكية، حيث تُعاد المواد إلى دورة الإنتاج بدلًا من التخلص منها. يُعدّ هذا الإنجاز نموذجًا مبكرًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف حلول بيئية مبتكرة، حيث يُمكن للشبكات العصبية أن تُسرّع عملية البحث العلمي من سنوات إلى أيام. وتعتبر شركة "أكسيوم" التي شاركت في المشروع، من أوائل الشركات التي تدمج الذكاء الاصطناعي مع الكيمياء الحيوية لمواجهة التحديات البيئية. مع استمرار التحسينات، يُتوقع أن يُطبّق هذا الإنزيم على نطاق واسع في الأعوام القادمة، ليس فقط في معالجة النفايات، بل أيضًا في صناعة مواد جديدة قابلة للتحلل. هذه الخطوة تمثل رمزًا حيًا لمستقبل يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والحفاظ على البيئة، حيث تُصبح الحلول البيئية أسرع، وأنظف، وأكثر كفاءة.
