آبل تضع رهانًا كبيرًا على نموذج جيميني من جوجل لـ Siri، في تحوّل استراتيجي جوهري في مسار الذكاء الاصطناعي
يُعد قرار آبل بإعادة بناء مساعدتها الصوتيّة "سيري" باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي من جوجل، خصوصًا نموذج جيميني، تحوّلًا استراتيجيًا جوهريًا، يتجاوز مجرد التفاوض على شراكة مالية. وعلى الرغم من أن التقرير الذي نشره المُحلّل مايك جورمان لـBloomberg يُظهر أن آبل تدفع لجوجل ما يقارب مليار دولار سنويًا، فإن هذا المبلغ لا يُعدّ مُعاقبة على التأخير، بل استثمارًا في رؤية أعمق: أن نماذج الذكاء الاصطناعي ستتحول إلى سلع قابلة للتبديل بسهولة. الاسم الرمزي لمشروع "سيري" الجديد، "كامبوس"، يشير إلى تحوّل جذري. فالنسخة القادمة لن تكون مجرد مساعد صوتي متقدّم، بل شات بوت متكامل يُدمج عبر أجهزة آبل كافة، من الهواتف إلى الحواسيب. لكن الأهم هو التصميم المعماري: آبل صمّمت النظام بحيث يمكن استبدال النموذج الأساسي للذكاء الاصطناعي في أي وقت، دون الحاجة إلى إعادة بناء النظام من الصفر. هذه المرونة تعني أن آبل لا تُلزم نفسها بشركة واحدة، بل تُبقي الباب مفتوحًا أمام أي مزود نموذج قوي، سواء كان من OpenAI، أو Anthropic، أو ميتا، أو حتى نماذج من الصين مثل DeepSeek أو Qwen. هذا النهج يعكس تحوّلًا في التفكير: بدلاً من خوض سباق مالي ضخم لبناء نماذج ذكاء اصطناعي خاصة، مثلما تفعل جوجل وميتا، تختار آبل أن تركز على ما تُتقنه: التكامل، تجربة المستخدم، الخصوصية، والوصول إلى أكثر من مليار مستخدم نشط. ففي عالم تُصبح فيه جودة النماذج متشابهة بمرور الوقت، يصبح التميّز ليس في "العقل" الذي يُستخدم، بل في "الواجهة" التي تُقدّمه، وطريقة دمجه في الحياة اليومية للمستخدم. الاستراتيجية لا تقتصر على تقليل التكاليف، بل تمتد إلى تحوّل في التوازن المالي. فبينما تُنفق جوجل أكثر من 60 مليار دولار في رأس المال خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2025، اقتصرت آبل على 12.7 مليار دولار في آخر فصل مالي. هذا التوفير يُعدّ ميزة تنافسية حاسمة، خصوصًا إذا ما فشل الاتجاه الحالي نحو بناء مراكز بيانات ضخمة وذكاء اصطناعي مخصص. في هذه الحالة، ستكون آبل أكثر مرونة، وقد تتجنب خسائر هائلة. ومن منظور أعمق، قد تصبح آبل في المستقبل الطرف الأقوى في العلاقة. فكما تُدرّ على جوجل ما يقارب 20 مليار دولار سنويًا مقابل توظيف محرك البحث كافتراضي على أجهزتها، قد تصبح آبل قادرة على طلب دفعات من شركات النماذج القيادية، مقابل وصولها إلى جمهورها الضخم. فعندما يصبح الذكاء الاصطناعي سلعة، فإن السيطرة على القناة — أي الجهاز — تصبح أكثر قيمة من السيطرة على النموذج نفسه. في النهاية، لا يُعدّ هذا القرار تراجعًا عن الريادة، بل تأكيدًا على رؤية استراتيجية: أن القوة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكمن في صناعة النماذج، بل في من يُحكم التفاعل بين الإنسان والذكاء. وآبل، بتصميمها الجديد، تضع نفسها في مركز هذه المعادلة.
