الشركات الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي تُضخ موارد مالية في تطوير نماذج العالم مع تباطؤ تقدم النماذج اللغوية الكبيرة
في ظل تباطؤ التقدم الملموس في نماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، تتجه الشركات الكبرى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي نحو استثمار مكثف في ما يُعرف بـ"النماذج العالمية" (World Models)، كخطوة استراتيجية لدفع حدود الذكاء الاصطناعي نحو تفاعل حقيقي مع العالم المادي. هذه النماذج تسعى إلى فهم البيئة المحيطة من خلال تحليل بيانات متعددة المصادر، خاصة مقاطع الفيديو والبيانات التي تُجمع من الروبوتات، بهدف تمكين الأنظمة من التنبؤ بالنتائج، واتخاذ قرارات مبنية على فهم دقيق للواقع. على عكس النماذج اللغوية التي تُركز على توليد النصوص أو فهم اللغة، تُعد النماذج العالمية محاولة لبناء تمثيل داخلي متكامل للعالم، يشبه ما يمتلكه الإنسان من فهم مفاهيمي للواقع. فبدلًا من مجرد تكرار ما سبق تعلمه، تسعى هذه النماذج إلى التعلم من تجارب حقيقية، مثل حركة الأجسام، تغيرات البيئة، أو التفاعلات بين الكائنات، مما يمكّنها من التنبؤ بمسارات الأحداث واتخاذ إجراءات محسوبة في بيئات مُتغيرة. شركات مثل جوجل، أمازون، مايكروسوفت، وعلي بابا، تُركّز الآن على تطوير هذه النماذج كحل محوري لتجاوز التحديات الحالية التي تواجه LLMs، والتي بدأت تواجه حدودًا في التقدم الملموس. فرغم أن النماذج الحديثة تُظهر مهارات مذهلة في الكتابة والتفكير التسلسلي، إلا أنها تفتقر إلى الفهم العميق للواقع المادي، وغالبًا ما تُنتج إجابات غير دقيقة أو غير متسقة مع السياق المادي. الاستثمار في النماذج العالمية يشمل تطوير نماذج تعلم عميق قادرة على معالجة بيانات متعددة الأنواع، من الصور والفيديو إلى بيانات الاستشعار من الروبوتات. وتشمل هذه المشاريع تجارب في تدريب نماذج على محاكاة بيئات واقعية، أو استخدام بيانات من مركبات ذاتية القيادة، أو أنظمة روبوتية تتعلم من خلال التفاعل مع العالم. الهدف هو تمكين الذكاء الاصطناعي من التفكير والعمل في العالم الحقيقي، لا مجرد تحليل النصوص. من بين أبرز التطورات، نجاح بعض المختبرات في تدريب نماذج على توقع تغيرات في مشاهد فيديو، أو التنبؤ بحركة كائنات في بيئة معينة، حتى في حالات غير مسبوقة. هذه القدرات تُعد خطوة أولى نحو إنشاء ذكاء اصطناعي قادر على التكيف مع مواقف جديدة، واتخاذ قرارات مستقلة، مثل الروبوتات التي تُستخدم في المهام الصعبة أو في بيئات خطرة. رغم أن النماذج العالمية لا تزال في مراحل تجريبية، فإنها تمثل أحد أبرز الاتجاهات في مستقبل الذكاء الاصطناعي. وتعتبر هذه الخطوة استجابة حقيقية لحاجة الصناعة إلى ذكاء اصطناعي لا يقتصر على فهم اللغة، بل يمتلك القدرة على التفاعل مع العالم المادي بذكاء وفاعلية. ومع استمرار التمويل والبحث، قد تصبح هذه النماذج حجر الزاوية في تطوير أنظمة ذكية قادرة على العمل في مدن مستقبلية، أو في مصانع ذكية، أو حتى في المساعدات المنزلية التي تفهم البيئة المحيطة وتدعم الإنسان بفعالية حقيقية.
