أداة ذكاء اصطناعي تكشف البنية الجينية للجسر الرئيسي للتواصل في الدماغ
لأول مرة، نجح فريق بحثي بقيادة معهد مارك وماري ستيفنز للتصوير العصبي والبيانات (Stevens INI) في كلية الطب بجامعة USC في تحليل البنية الوراثية لجزء حيوي من الدماغ البشري يُعرف بـ"الجسر الاتصالي الأكبر"، وهو الحبل العصبي المسمى "الجسر المخيخي" (corpus callosum). يُعد هذا الهيكل، الذي يمتد كحزمة كثيفة من الألياف العصبية عبر منتصف الدماغ، المسؤولاً عن ربط النصف الأيسر والنصف الأيمن من الدماغ، مما يسمح بتبادل المعلومات بينهما بسلاسة. استخدم الباحثون أداة ذكاء اصطناعي متقدمة لتحليل بيانات جينية وتصوير دماغي من مئات الأشخاص، ما مكّنهم من تحديد الجينات التي تلعب دورًا محوريًا في تكوين ووظيفة الجسر المخيخي. هذه المهمة لم تكن ممكنة سابقًا بسبب التعقيد الكبير للبنية العصبية وتنوع التعبير الجيني بين الأفراد. النتائج أظهرت أن أكثر من 100 جين مرتبط بتكوين الجسر المخيخي، مع تأثيرات متفاوتة على حجمه وقوته وتماسكه. كما كشفت الدراسة أن بعض هذه الجينات تُظهر نشاطًا مميزًا خلال مراحل مبكرة من تطور الدماغ الجنيني، مما يشير إلى أن تكوين هذا الجسر يبدأ مبكرًا جدًا، ويعتمد على تنظيم دقيق للتعبير الجيني. الاستنتاجات تُعد خطوة كبيرة نحو فهم أعمق للعوامل الوراثية التي تؤثر على الترابط العصبي، وتفتح آفاقًا جديدة في دراسة الأمراض العصبية والنفسية. فعلى سبيل المثال، تشير الأدلة السابقة إلى أن تغيرات في حجم أو بنية الجسر المخيخي مرتبطة بحالات مثل الفصام، اضطراب طيف التوحد، ومرض باركنسون. وعندما تُعَرَّض هذه الجينات للعوامل البيئية أو الطفرات، قد تنشأ اضطرابات في الاتصال بين نصفي الدماغ، ما ينعكس على الوظائف المعرفية والسلوكية. يُعد هذا التقدم مثالاً حيًا على قوة التكامل بين الذكاء الاصطناعي والعلوم العصبية. فبفضل قدرة الخوارزميات على تحليل كميات هائلة من البيانات، أصبح من الممكن اكتشاف أنماط جينية دقيقة لم تُكتشف من قبل. وستُسهم هذه المعرفة في تطوير أدوات تشخيصية مبكرة، وربما علاجات مخصصة تُستند إلى التركيب الجيني الفردي. الباحثون يخططون الآن لتوسيع الدراسة لتشمل عينات من سكان متنوعين جغرافيًا وعرقيًا، بهدف فهم كيف تختلف هذه الجينات بين المجموعات السكانية، ما قد يُسهم في تقليل الفجوات في الرعاية الصحية العصبية. كما يُتوقع أن تُستخدم النتائج في تطوير نماذج حيوانية لاختبار تأثير الطفرات الجينية على تكوين الجسر المخيخي. بشكل عام، تمثل هذه الدراسة نقلة نوعية في فهم الدماغ البشري، لا سيما في ما يتعلق بالاتصال بين نصفيه. فهي لا تقدم فقط خريطة جينية دقيقة، بل تفتح بابًا جديدًا لاستكشاف الأسباب الجذرية لعدة أمراض عصبية، وتمهد الطريق لعلاجات أكثر دقة وفعالية في المستقبل.
