هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون شريكًا إبداعيًا فعّالًا؟ بحث جديد يُظهر أن الإجابة تعتمد على التوجيه والهيكلة، لا على مجرد وجود الذكاء الاصطناعي
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون شريكًا إبداعيًا فعّالًا؟ يُعد هذا السؤال محورًا حاسمًا في عالم العمل الإبداعي، حيث يتساءل الكثيرون حول إمكانية تعاون البشر مع الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإبداع. ورغم التناقضات في نتائج الدراسات السابقة، توصل فريق بحثي بقيادة جامعة كامبريدج إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح شريكًا إبداعيًا حقيقيًا، شريطة توفر إرشادات واضحة للبشر والذكاء الاصطناعي حول كيفية التعاون في تطوير الأفكار. الدراسة، المنشورة في مجلة Information Systems Research، تقدم رؤية جديدة لعملية "التعلم المُعزز"، وهي مفهوم بدأ في الستينيات لوصف دور التكنولوجيا في دعم التعلم البشري. لكن الباحثين يرون أن الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) يحول هذه العملية من فردية إلى جماعية، حيث يتعلم البشر والذكاء الاصطناعي معًا، ويتبادلان الأدوار في مراحل مثل توليد الأفكار، وتقديم الملاحظات، وصقل المفاهيم. في السابق، كانت التكنولوجيا تُنظر إليها كأداة لتسهيل الوصول إلى المعلومات. أما اليوم، فإن GenAI يلعب دورًا تعاونيًا فعّالًا: بعد إدخال مُدخل (Prompt)، يُمكنه التفاعل بنشاط في تشكيل الأفكار واتخاذ قرارات، ما يُحدث تحولًا جوهريًا في طبيعة التعاون. أحد الأمثلة البارزة على هذا التعاون هو نتفليكس، التي تُقسّم عملية كتابة السيناريو إلى مراحل: يُولّد الكتّاب البشر مسودات أولية، بينما يحلل الذكاء الاصطناعي مسارات الشخصيات، وتسلسل الحدث، واتجاهات المشاهدين، لتحسين جودة العروض وتسويقها. الباحثون أجرَوا ثلاث دراسات متسلسلة، شارك فيها ما بين 160 و200 مشاركًا. وجدت الدراسة الأولى أن فرق البشر والذكاء الاصطناعي لم تُظهر تحسنًا تلقائيًا في الإبداع عند مواجهة مشكلات اجتماعية وبيئية. وخلصت الدراسة الثانية إلى أن التفاعل الفعّال يقتصر على "التحسين المشترك" للأفكار، وليس مجرد توليد أفكار جديدة. لكن المشاركين نادراً ما اعتمدوا هذه الممارسة. أما الدراسة الثالثة، فقد أظهرت أن توجيه المشاركين لتركيزهم على تطوير الأفكار معًا – من خلال التفاعل، وتقديم الملاحظات، وصقلها – أدى إلى تحسن ملحوظ في الإبداع عبر المهام المتكررة. "كنا متفاجئين بأن التعاون المتكرر لم يُحدث تحسنًا تلقائيًا"، كما قال الدكتور يو جون كيم من كلية جيودج للإدارة في كامبريدج. "التحسين حدث فقط عند تدخل مقصود: توجيه الناس لتعزيز التعاون في تطوير الأفكار، وليس إنتاجها بشكل مفرط." النتائج تُظهر أن الأدوات الذكية الاصطناعية لا تكفي لإنجاز المهمة، بل يجب أن تُصمم لتشجيع التفاعل: مثل دعوة المستخدمين لتقديم ملاحظات، وتوسيع الاقتراحات، وصقلها. كما تدعو الدراسة المؤسسات إلى تبني هيكلية واضحة: توجيهات، نماذج عمل، وتدريبات تُعلّم الموظفين كيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، من خلال ممارسة التغذية الراجعة والتحسين التدريجي. الباحثون يحذرون من أن اعتماد الذكاء الاصطناعي التوليدي ببساطة – كما حدث بعد إطلاق ChatGPT في 2022 – لا يضمن تحسين الإبداع. النجاح يعتمد على فهم عميق للتقنية، وعلى كيفية تنظيم التعاون بين البشر والآلة. ويُقترح تقسيم المهام إلى مراحل، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي في التوليد، والبشر في التقييم والصقل. الدراسة من تأليف لونا لوان (جامعة كوينزلاند)، يو جون كيم (كامبريدج)، وجينغ جو (جامعة رايس)، ونُشرت في 2025 بعنوان "التعلم المُعزز للإبداع المشترك في التعاون بين البشر والذكاء الاصطناعي التوليدي".
