الذكاء الاصطناعي يُحول الاقتصاد كله إلى مختبر تدريب: كيف أصبحت "البيانات البشرية" المفتاح الأغلى في الثورة التكنولوجية
في سن 19، أسس بريان فودي شركة ميركور مع صديقين من المدرسة الثانوية، كمنصة لتوظيف مهندسين برمجيين أجانب لشركات ناشئة، لكنها سرعان ما تطورت إلى وكالة توظيف مُحكَمة بالذكاء الاصطناعي. استخدمت نماذج لغوية تقييم السير الذاتية وتقديم المقابلات، وحقق المشروع مبيعات سنوية بقيمة مليون دولار خلال أشهر، مع تحقيق أرباح صغيرة. في أوائل 2024، طلب من ميركور شركة سكيل آي، العملاقة في إنتاج بيانات التدريب للذكاء الاصطناعي، توظيف 1200 مهندس برمجيات، مما أثار لدى فودي إدراكًا لتحول جوهري في صناعة الذكاء الاصطناعي: الطلب المتزايد على بيانات متخصصة، خاصة في مجال البرمجة. عندما بدأ المهندسون المُوظَّفون في شكوى من تأخر الرواتب — وهو ما تُعرف به سكيل آي بسوء إدارة منصتها، وتعرضها لدعوى قضائية في كاليفورنيا — قرر فودي التخلص من الوسيط. في سبتمبر، أعلن أن ميركور حققت إيرادات سنوية بقيمة 500 مليون دولار، ما جعلها "أسرع شركة نموًا في التاريخ"، متغلبة على سابقتها أنيسفير، صانعة أداة برمجية ذكية. وتم تقييم ميركور في جولة تمويل حديثة بـ10 مليارات دولار، بينما يبلغ عمر فودي وشركائه الثلاثة 22 عامًا، ما يجعلهم أصغر مليارديرات ذاتية الصنع في العالم. في الوقت نفسه، تطورت صناعة بيانات التدريب إلى سباق موازٍ لبناء مراكز البيانات الضخمة. بعد استنفاد البيانات العامة، أصبحت التحسينات تعتمد على بيانات صغيرة ومخصصة، مثل البرمجة أو التحليل المالي، مما جعل الشركات التي تقدم هذه البيانات أكثر ربحًا من الشركات التي تطور النماذج نفسها. سكيل آي، التي نمت إلى تقييم يقارب 14 مليار دولار، كانت رائدة في هذا المجال عبر منصتها ريموتاس، لكنها تواجه منافسة قوية من شركات جديدة مثل سيرج آي، التي أسسها عالم بيانات، إدوارد تشين، وتمكنت من تحقيق إيرادات تجاوزت مليار دولار في العام الماضي، وتعتزم جذب تمويل بقيمة مليار دولار بقيمة تقييم 15 مليار دولار. التحدي الأكبر يكمن في جعل النماذج تُنجز مهام واقعية، لا مجرد مهام مثالية. فمثلاً، تُجتاز النماذج امتحانات المحاماة، لكنها تُخترع قوانين قضائية. لحل هذه المشكلة، تُستخدم "مصفوفات التقييم" — قوائم تفصيلية تُحدد شروط الأداء الجيد في كل سياق، مثل إعطاء نصائح طبية دقيقة أو كتابة تقرير استشاري. هذه المصفوفات تتطلب جهدًا بشريًا هائلاً، وقد تُستهلك 10 ساعات لصياغة واحدة. تُستخدم هذه المصفوفات في بيئات محاكاة تُسمى "ملاعب التدريب"، حيث تُجرب النماذج مهاراتها في مهام واقعية. الشركات الناشئة تتنافس بشدة لاستقطاب خبراء: ميركور توظف خبراء من جولدمان ساكس وماكينزي، وسيرج آي تُوظف حائزي جوائز فيليد، وحَدشِي أَي تُستعين بعلماء من بيركلي وستانفورد. حتى شركات مثل أوبر وتيورينغ ولينكيد إن بدأت في استغلال مهاراتها في التوظيف لدخول سوق بيانات التدريب. رغم النمو الهائل، فإن السوق حساس جدًا، إذ تعتمد الشركات على عدد قليل من العملاء، وعند تغير توجهات النماذج أو تراجع التمويل، قد تنهار. لكن الطلب لا يزال متصاعدًا، وفقًا لـتشين، الذي يرى أن الأشكال الجديدة من التدريب مكملة لبعضها. حتى سكيل آي، التي تأثرت بانضمام ميتا، تُعلن عن نمو مستمر، وتُعدّ تطوير تقييمات مخصصة لتمكين المطورين من اكتشاف نقاط ضعف نماذجهم. في النهاية، تُظهر هذه التطورات أن الذكاء الاصطناعي لا يتجه نحو "ذكاء عام" يُنجز كل شيء، بل إلى عالم من التخصيص المستمر. والنتيجة: اقتصاد مُحَوَّل كليًا إلى بيئة تدريب تكراري، حيث تُصبح "البيانات" و"البيئات" و"مصفوفات التقييم" المحركات الحقيقية للابتكار. وربما، كما يرى فودي، "تتحول كل اقتصاد العالم إلى بيئة تدريب".
