علماء يوسعون برمجة التنسور إلى العالم المستمر
في عام 1957، أحدث لغة البرمجة FORTRAN ثورة في طريقة تعامل العلماء والمهندسين مع الحواسيب، إذ مكّنتهم من التعبير عن الحسابات المعقدة باستخدام صيغ رياضية موجزة عبر المصفوفات—أي مجموعات من القيم التي تسهّل وصف العمليات على البيانات. تطورت هذه الفكرة البسيطة لتصبح أساس ما يُعرف اليوم بـ"التيانسورات"، وهي العنصر المحوري في العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي والحوسبة العلمية المتقدمة، عبر أطر عمل حديثة مثل NumPy وPyTorch. لكن حتى الآن، كانت هذه الأدوات محدودة في نطاق تطبيقها، إذ كانت تتعامل بشكل أساسي مع البيانات المنفصلة أو المتقطعة، مثل الصور أو السلاسل الزمنية المُعدّة مسبقًا. أما الآن، يقدّم باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ومؤسسة مختبرات جوجل (Google Research) خطوة جديدة جوهرية: توسيع مفهوم البرمجة بالتيانسور ليناسب العالم المستمر، أي الأنظمة التي تتغير بسلاسة عبر الزمن أو الفضاء، مثل الحقول الفيزيائية أو الأنظمة الديناميكية. الاستخدام التقليدي للتيانسورات يعتمد على تمثيل البيانات كشبكات من الأرقام في أبعاد متعددة، لكنه لا يتعامل بشكل طبيعي مع الدوال المستمرة التي لا تُعرف إلا عبر قيمها عند نقاط معينة. من خلال دمج مفاهيم التحليل العددي والبرمجة الوظيفية، استطاع الباحثون تطوير إطار جديد يسمح بتمثيل العمليات الحسابية على الدوال المستمرة باستخدام نفس مبادئ البرمجة بالتيانسور. هذا الإنجاز يتيح للعلماء والمهندسين التعبير عن معادلات فيزيائية معقدة، مثل معادلات نافير-ستوكس التي تصف تدفق السوائل، أو معادلات ماكسويل التي تصف المجالات الكهرومغناطيسية، بلغة بسيطة وموحدة، مشابهة لتلك المستخدمة في الحوسبة العددية التقليدية. كما يسمح بالاستفادة من تقنيات التعلم الآلي، مثل التدريب التلقائي (automatic differentiation)، على هذه المعادلات دون الحاجة إلى تقريبها أو تحويلها إلى بيانات منفصلة. الإطار الجديد، الذي يُعرف باسم "Continuous Tensor Programming"، لا يُعد مجرد تحسين تقني، بل تحوّل في النمط الفكري للحوسبة العلمية. فهو يدمج بين قوة التيانسورات في تمثيل البيانات المعقدة، وقابلية التمثيل المستمر للظواهر الطبيعية، مما يفتح آفاقًا جديدة في مجالات متعددة، من التنبؤات المناخية إلى تصميم المواد الجديدة، أو حتى نمذجة الأنظمة البيولوجية الحية. النتائج الأولية تُظهر كفاءة عالية في الحسابات، مع تقليل الحاجة إلى التقديرات التقريبية التي كانت تُستخدم سابقًا، ما يزيد من دقة النماذج وسرعة تنفيذها. كما يُسهّل هذا النهج التعاون بين الفيزيائيين والمبرمجين، إذ يوفر لغة مشتركة قادرة على التعبير عن التحديات العلمية بوضوح، وتمكّن من تطبيق أدوات التعلم الآلي مباشرة على المعادلات التفاضلية. يُعد هذا التطور خطوة فاصلة في مسيرة الحوسبة العلمية، حيث يجمع بين جذور البرمجة المبكرة في FORTRAN، وتطورات الذكاء الاصطناعي الحديث، مع استهداف طبيعة العالم الحقيقي التي لا تُفهم إلا من خلال التغير المستمر. فالمستقبل لا يقتصر على معالجة البيانات، بل على فهم الديناميكيات الحقيقية للطبيعة عبر برمجة أكثر انسجامًا مع قوانينها.
