هل تُنتج الذكاء الاصطناعي مواد جديدة فعلاً؟ تقييم صارم لوعود التحول في علم المواد
أعلنت شركة جوجل ديب مايند منذ نحو عامين عن اكتشافها لـ2.2 مليون مادة بلورية جديدة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ما أثار تفاؤلاً واسعاً بثورة في علوم المواد. لكن هذه الإنجازات سرعان ما واجهت انتقادات حادة من باحثين، الذين أشاروا إلى أن العديد من هذه المواد غير واقعية أو غير قابلة للتصنيع، أو حتى مكررة. فبينما تضم القائمة أكثر من 52 ألف مادة مشابهة للغرايفين، و528 مادة محتملة كمُوصلات لليثيوم لتحسين البطاريات، إلا أن تحليلات لاحقة كشفت أن أكثر من 18 ألفاً منها تحتوي على عناصر نادرة ومشعة مثل البروميثيوم والبروتاكتين، ما يجعلها غير عملية. كما أثارت مبادرات أخرى من مايكروسوفت وميتا جدلاً. فبينما اقترح فريق مايكروسوفت نموذجاً يُسمى MatterGen، يُنتج مواداً بخصائص محددة بفعالية أكبر من الطرق التقليدية، واقتراح ميتا لـ100 مادة محتملة لامتصاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء، لم تُثبت فعاليتها في الممارسة، وفقاً لعلماء كيمياء حسابية مثل بيرند سمير من معهد إف.تي.إل. السويسري، الذين انتقدوا غياب الواقعية في النتائج. الجذور الحقيقية للجدل تكمن في الاعتماد على نظرية الدالة الكثافة (DFT)، وهي أداة حسابية قوية لكنها مكلفة، وتُفترض عادةً أن البلورات تكون منظمة تمامًا. لكن في الواقع، تميل المواد البلورية إلى أن تكون غير منظمة، ما يعني أن التوقعات النظرية قد لا تتطابق مع الواقع. دراسة أجرها جوهانس مارغرا프 من جامعة بايروث أظهرت أن 80% إلى 84% من المواد التي حددتها تقنية GNoME كمثالية من حيث الترتيب البلوري ستكون غير منظمة فعلياً، ما يُقلل من فرص تحققها في المختبر. كما انتقد باحثون مثل روبرت بالغراف من جامعة كوليدج لندن وليسي سكووب من جامعة برينستون عمل "A-Lab"، النظام الروبوتي الذي صممه فريق ديب مايند بالتعاون مع لابوراتوار لابوراتوار لبيركلي، والذي أفاد بأنه لم يُنتج مواداً جديدة فعلاً، بل أعاد تصنيع مواد مُعرفة مسبقاً في أشكال غير منظمة. ورغم دفاع جيربراند سيدير، أحد قادة المشروع، عن دقة النتائج، إلا أن الجدل حول التقييم التجريبي يبقى قائماً. رغم هذه التحديات، يرى العديد من العلماء أن الذكاء الاصطناعي لا يزال واعداً، بشرط أن يُستخدم بواقعية. فمثلاً، يُعد GNoME أداة توجيهية مفيدة لتحديد مسارات بحثية واعدة، لا قائمة نهائية للمواد الجاهزة. وتشير بيانات إلى أن أكثر من 700 مادة من بين تلك التي تنبأت بها GNoME تم تصنيعها من قبل باحثين آخرين، وأن بعضها ساهم في اكتشاف مركبات جديدة قابلة للاستخدام في الإلكترونيات أو تخزين الطاقة. الخلاصة: الذكاء الاصطناعي يُعد أداة قوية لتسريع اكتشاف المواد، لكنه ليس بديلاً عن التفكير العلمي الدقيق، أو التعاون الوثيق مع الكيميائيين التجريبيين. النجاح الحقيقي لا يكمن في عدد المواد التي "يحلق" الذكاء الاصطناعي لتخيلها، بل في قدرته على توجيه البحث نحو مواد قابلة للتحقيق وذات فائدة حقيقية.
