في دافوس، اجتمع المستثمرون لبحث الذكاء الاصطناعي… وغادروا يتحدثون عن جرينلاند
في قلب جبال الألب السويسرية، تحوّل دافوس هذا العام إلى منصة لمواجهة تناقضات عصرنا: تقدم تقني مذهل، وانعدام ثقة سياسي متزايد. بينما اجتذب المعرض العالمي للمنتدى الاقتصادي اهتمامًا واسعًا بمستقبل الذكاء الاصطناعي، انتهى الأمر بمحادثات كثيرة تتحول تدريجيًا إلى موضوعات جيوسياسية حادة، من التعرف على جرينلاند إلى التعريفات الجمركية، مرورًا بالتوترات الدولية. في قاعات الاجتماعات، كانت المحادثات تدور حول "النماذج العالمية" و"الذكاء الاصطناعي الجسدي"، وتفاؤل بالاستثمار في مراحل الإنتاج الفعلية، مع تدفقات كبيرة من رؤوس الأموال مستعدة لدعم هذه التحولات. لكن في الممرات، وعند المقاهي، وخلال رحلات الحافلات، كانت الأحاديث تُحول بسرعة نحو عالم آخر: عالم حيث تُعاد صياغة القواعد العالمية، وتتبدد الثقة في الأطر المؤسسية التي اعتمدت عليها الأسواق لعقود. "ما أبرزه دافوس هذا العام ليس أزمة في الابتكار، بل أزمة في التماسك، وفقدان الثقة"، قال تشافاليت فريديريك تساو، رئيس شركة تجارية عائلية من سنغافورة، موضحًا أن التقدم التكنولوجي أصبح أسرع من قدرة البشر على التكيف معه جماعيًا. هذا التناقض بين التسارع التكنولوجي والتشتت السياسي تكرر طوال الأسبوع، خصوصًا مع ظهور مواقف متناقضة: أولًا، تهديدات ترامب بالتعريفات الجمركية، ثم ظهور إيلون ماسك بتصريحاته الجريئة، ما أثار تقلبات في المزاج الاستثماري. "العالم يصبح أكثر تجزؤًا بلا شك"، قال وليد المقرّب، نائب رئيس مبادلة، أحد أكبر صناديق الاستثمار في أبوظبي، موضحًا أن المستقبل يتطلب استثمارًا "مُتحمّسًا ومقنعًا"، لا عشوائيًا، حتى في بيئة غير مستقرة. في المقابل، ركّز جو كاسير، رئيس شركة سيمنس إيرجي، على الجانب الصناعي للذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن أوروبا تمتلك ميزة فريدة: كمّ هائل من البيانات المتعلقة بالصناعات والآلات والأتمتة. "إذا جمعنا هذه البيانات مع القوة الحاسوبية، فإن أوروبا تملك أفضل فرصة لدمج العالم الافتراضي بالعالم المادي"، قال. لكن كاسير حذّر من أن النجاح لا يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل على تنفيذ السياسات المعلنة. "الحُكم ما زال معلقًا: هل ستُنفّذ الوعود كما أُعلن؟ وإذا تخلّف أحد اللاعبين الكبار عن المشاركة، فهذا سيكون ضربة لجميع الأطراف." في النهاية، برزت صورة دافوس كمدينتين متوازيتين: واحدة تُصوّر مستقبلًا مشرقًا في عالم الذكاء الاصطناعي والتحول الصناعي، والأخرى تُركّز على صراعات جيوسياسية وتهديدات مفاجئة تُعيد تقييم كل خطّة استثمارية. وبينما كانت القاعات ممتلئة بالمحادثات عن التحول التكنولوجي، كانت الممرات تُصوّر عالمًا يُعاد تشكيله بسرعة، حيث لا يكفي التفاؤل بالابتكار، بل يجب أيضًا التأقلم مع عالم لا يزال يُكتب بخطٍّ غير مؤكد.
