الكذبة الكبرى في الذكاء الاصطناعي: الأسعار لا تنخفض فعلاً
منذ إطلاق ChatGPT في نوفمبر 2022، شهدت تقنيات الذكاء الاصطناعي تحولاً متسارعاً، مصحوباً بانخفاض ملحوظ في التكاليف، ما أثار تفاؤلاً واسعاً بأن الذكاء الاصطناعي سيصبح متاحاً على نطاق واسع وبأسعار معقولة. لكن هذا التفاؤل بدأ يُقاسّ في ظل تطورات جديدة تُظهر أن الحقيقة عكس ما يُروَّج له: لا تزال أسعار الذكاء الاصطناعي المتقدم — ما يُعرف بـ"الذكاء الاصطناعي الحدودي" — في ارتفاع متسارع، وليس في تراجع. أحد أبرز الأمثلة على هذا الاتجاه هو الإعلان الأخير عن "الوضع السريع" (Fast Mode) من شركة أنثروبك، إحدى أبرز مختبرات الذكاء الاصطناعي في العالم، والتي تُديرها شخصيات بارزة مثل داريو أمودي، المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة. يُقدّم هذا الوضع الجديد سرعة معالجة غير مسبوقة، لكنه يأتي بسعر مذهل: 150 دولاراً لكل مليون من "الرموز المخرجة" (output tokens)، أي أكثر من عشر مرات ما تقدمه معظم المنصات المنافسة. هذا السعر يُعدّ غير مقبول بالنسبة لمعظم المستخدمين، من الأفراد إلى الشركات الصغيرة، ما يُظهر فجوة واضحة بين الوعد بالذكاء الاصطناعي الشامل والواقع العملي. من المهم التوضيح أن هذه الزيادة في الأسعار ليست نتيجة إهمال أو تقصير من جانب مختبرات الذكاء الاصطناعي، بل ناتجة عن تغيرات جوهرية في طبيعة التطور التكنولوجي نفسه. مع تقدم النماذج إلى مستويات أعمق وأكثر تعقيداً، تتطلب هذه النماذج موارد حاسوبية هائلة، خاصة في مجالات مثل التدريب والتشغيل على نطاق واسع. هذه التكاليف لا تنخفض بسهولة، حتى مع التحسينات في الكفاءة، لأن التطورات الحالية لا تُركّز على التقليل من التكلفة، بل على تحسين الأداء والدقة والقدرة على التفاعل مع المهام المعقدة. النتيجة: أصبحت التكنولوجيا المتقدمة حكراً على مؤسسات ضخمة، أو شركات تملك ميزانيات هائلة، مما يُعمّق الفجوة بين من يملك الموارد ومن لا يملكها. هذا لا يُهدد فقط العدالة الاقتصادية، بل يُشكّل تهديداً حقيقياً لفكرة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة تحريرية للجميع، كما كان يُفترض في بداياته. الأمر الأهم هو أن هذه الظاهرة ليست حكراً على أنثروبك. شركات كبرى مثل OpenAI وGoogle وMeta تُعلن عن نماذج متقدمة بأسعار مرتفعة، وتُركّز على تقديم خدمات مخصصة للشركات الكبرى، وليس للجمهور العام. هذا التحول يُعيد صياغة مفهوم "الذكاء الاصطناعي للجميع" إلى نموذج مُركّز على الربح والهيمنة، وليس على التوسع والوصول. في المدى الطويل، هذا التوجه قد يُبطئ الابتكار، ليس فقط بسبب قلة الوصول، بل بسبب تقلص التنافس المُحَفِّز. عندما تصبح التكنولوجيا حكراً على عدد قليل من الشركات، تضعف الحوافز لتحسين الكفاءة أو خفض التكاليف. وبدلاً من أن يُصبح الذكاء الاصطناعي أداة تُسهم في النمو الاقتصادي الشامل، يصبح أداة لتعزيز التفاوت. الاستنتاج: لا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يصبح أرخص — بل العكس. ورغم أن بعض الخدمات قد تظل منخفضة التكلفة، فإن الابتكارات الحقيقية، التي تُشكّل مستقبل التكنولوجيا، تُصبح أكثر تكلفة، وتحتاج إلى موارد أكبر. هذا ليس خطأً من مختبرات الذكاء الاصطناعي، بل نتيجة منطقية لطبيعة التطور التكنولوجي في هذه المرحلة. لكنه يُطرح سؤال جوهري: هل نريد أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للجميع، أم أن نسمح له بأن يُصبح سلعة مكلفة يتحكم فيها عدد قليل من الجهات؟
