من الخيال إلى التجربة: كيف تُشكّل الذكاء الاصطناعي وتقنيات النظارات الذكية منصة الحاسوب القادمة
منذ عقد من الزمن، كانت Meta تُجرب حدود الحوسبة، بحثًا عن ما يلي الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر. كانت الرحلة مليئة بالطرق الميتة، والقمم التي تُظهر من بعيد أنها واعدة، ثم تُكتشف خلفها جبال أخرى. لكن في السنوات الأخيرة، أصبحت الذكاء الاصطناعي المحرك الحقيقي للتغيير، كأنه منحنا أدوات أفضل: أدوات دقيقة، وخرائط أكثر وضوحًا، وتنبؤات أدق. هذا التحول جعل التقدم أسرع، وجعل الرؤية أوضح، وبدأ يُشكّل منصة الحوسبة القادمة التي طالما توقّعناها. أبرز تجليات هذا التحول تأتي من نظارات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت الفئة الرئيسية في عصر الذكاء الاصطناعي. منذ إطلاق نظارات Ray-Ban Meta، بيعت ملايين الوحدات، وتنبّأت مسارات نموها باتجاه نجاحات أجهزة استهلاكية كبرى في التاريخ. لكن التطور الأهم لم يكُن في النظارات نفسها، بل في مُضاعف العقل الجديد: Meta Neural Band. هذا الحزام العصبي يحوّل إشارات عصبية خفية إلى أفعال رقمية، ما يُحوّل النظارات إلى امتداد طبيعي لجسدك. لم نعد نحتاج إلى الماوس أو الشاشة المُمسَكَة، بل نُعبّر عن نوايانا ببساطة، بحركة بسيطة. التكنولوجيا تعتمد على تحليل إشارات EMG، وتمكّن من تفسير آلاف العصبونات الحركية، مع تدريب نماذج ذكية تُناسب جمهورًا واسعًا دون الحاجة إلى ضبط أو إعداد مسبق. مع الوقت، ستُصبح قادرة على فهم حركات معقدة، مثل الكتابة بالحروف، ما يفتح الباب أمام تفاعل بشري-آلي أكثر طبيعية. هذا التطور يكتمل مع ظهور النظارات العرضية، التي تُحوّل التفاعل الرقمي من عزلة الشاشة إلى دمج مع العالم المادي. لم يعد عليك اختيار بين الواقع والرقمي، بل يمكن للنظارات أن تُحسّن تجربتك في العالم الحقيقي. مثال ذلك: ميزة "تركيز المحادثة" التي تُعزز صوت الشخص الذي تتحدث معه، حتى في الأماكن الصاخبة، بفضل فهم الذكاء الاصطناعي للبيئة. هذا يُغيّر طريقة تواصلنا، ويجعل التكنولوجيا مساعدة واقعية، لا مجرد أداة. لكن التحول الأعمق يكمن في الواقع الافتراضي. بفضل تقنيات جديدة مثل "النقط الثلاثية" (3D Gaussian splatting)، يمكن الآن تحويل أي مشهد واقعي إلى نسخة رقمية دقيقة، تُستخدم في مساحات افتراضية قابلة للتجول، مثل مساحات Hyperscape. ب headset واحد، يمكن لمستخدمي Quest التقاط مشهد من حوله وتحويله إلى بيئة افتراضية مشتركة. هذا يشبه تحوّل Instagram من مشاركة الصور إلى مشاركة العالم نفسه. كما أن الذكاء الاصطناعي يُبسط إنشاء المحتوى: يمكن للمبدعين إنشاء عوالم 3D كاملة من نصوص بسيطة. تُدمج هذه الأدوات في منصة Horizon، ما يُمكّن من خلق محتوى واقعي وحيوي بسرعة. المحتوى الافتراضي يصبح أكثر واقعية، من أفلام بجودة عالية تُنفّذ تأثيرات تخرج من الشاشة، إلى ألعاب تنقلك إلى كواكب خيالية أو إلى شوارع مألوفة. الخطوة التالية: دمج كل هذه التكنولوجيا في منصة متكاملة. النظارات تصبح أذنًا وعينًا ذكية، والواقع الافتراضي يُصبح مساحة تجربة حقيقية، والذكاء الاصطناعي يُصبح مساعدًا تفاعليًا وواعيًا. وتماشيًا مع هذا، أطلقت Meta مختبر روبوتات في 2025، لتمكين الآلات من فهم العالم المادي كما يفعل البشر. النتيجة: منصة حاسوبية تُشبه العالم، لا تُنافسه. تُقدّم تجربة تُدمج بين الواقع والرقمي، تُقدّم المعرفة دون تدخل، وتُحسّن الحياة دون أن تُشغِل الانتباه. الحدود بين العالمين تذوب، والمستقبل لا يُنظر إليه من الشاشة، بل من خلال عينيك.
