الحلم بالذكاء العام يعيق الهندسة الفعلية في مجال الذكاء الاصطناعي
التصورات الخيالية حول الذكاء الاصطناعي العام (AGI) تُعدّ عائقًا حقيقيًا أمام التقدم الهندسي الفعّال في مجال الذكاء الاصطناعي. في كتاب "إمبراطورية الذكاء الاصطناعي" لكارين هاو، يظهر كيف أن العديد من الشخصيات البارزة في شركة OpenAI يؤمنون بصدق بأن الذكاء الاصطناعي العام سيُبنى قريبًا، وربما من قبلهم، مع توقعات تراوح بين خلاص البشرية أو انقراضها. هذا التصور لم يُعد مجرد خيالًا علميًا، بل أصبح رؤية سائدة في وادي السيليكون. إيلون ماسك، أحد مؤسسي OpenAI، كان يرى في ديميس هاسابيس، رئيس DeepMind، خصمًا شريرًا، وصفه بـ"الخبيث العظيم" الذي يسعى لبناء AGI لاستغلاله. حتى أنه أشار إلى لعبة فيديو قديمة بعنوان "الخبيث العظيم" (2004) التي صنعها هاسابيس، معتبرًا إياها دليلاً على نواياه الخبيثة. في اجتماعات داخلية، أشاد ماسك بـ"OpenAI" كقوة خيرية ضد "الشر" في DeepMind. أما إيليا سوتسكيفر، العضو المؤسس والرئيس العلمي في OpenAI، فقد جعل هذا المفهوم جزءًا من الثقافة المؤسسية. في اجتماع خارجي بجبل يوسيميت عام 2022، أشعل نارًا في تمثال خشبي مُصمم خصيصًا، يُمثّل AGI "الجيد" الذي اكتشف لاحقًا أنه خادع. كان هذا التمثيل المسرحي وسيلة لترسيخ فكر "الواجب الأخلاقي" في مواجهة خطر AGI، لكنه يعكس أيضًا التحول من التفكير التقني إلى التصوّر الأسطوري. هذا التصوّر المُشَغِّل يُبرر تضخيم مشاريع الذكاء الاصطناعي. من منظور "فرضية اللغة النقية"، التي تفترض أن كل ما يحتاجه AGI هو التدريب على اللغة، أصبح التوسع في النماذج اللغوية (مثل GPT-2 وGPT-3 وGPT-4) هو الطريق الوحيد. لكن هذا التوسع يتطلب مراكز بيانات ضخمة تستهلك مئات الليترات من المياه في الثانية، وتُشغل محركات غازية بسبب عدم قدرة الشبكة الكهربائية على التحمل، مما يرفع انبعاثات الكربون بشكل كبير. كما أن الحاجة إلى بيانات لا حدود لها أدت إلى استهلاك الإنترنت كاملاً دون تمييز، مع التضحية بعمل البيانات الذين يُوظّفون في مراقبة المخرجات، مما يعرضهم للإرهاق النفسي والتوتر. وتم استخدام تقنيات مثل التعلم المعزّز بالردود البشرية (RLHF) لتقليل المخرجات الضارة، لكنها لا تحل المشكلة الجذرية. المبرر الأكثر شيوعًا لهذا الاستنزاف هو حساب القيمة المتوقعة (EV)، الذي يفترض أن احتمال وجود AGI بقيمة هائلة، حتى لو كان ضئيلاً (مثل 0.001%)، يُعطي قيمة متوقعة عالية جدًا. لكن هذا الحساب غير قابل للتحقق، ويعتمد على افتراضات غير مثبتة، ويتجاهل التكاليف الحقيقية: التلوث البيئي، استنزاف الموارد، والاستغلال البشري، التي لها تأثيرات سلبية محددة وواضحة. من منظور تقني، الهدف الحقيقي يجب أن يكون حل المشكلات بكفاءة، فعالية، وأمان. لكن نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) كحل لـAGI تفشل في جميع هذه المعايير. بدلاً من ذلك، ينبغي التخلي عن الوهم، والتقييم الحقيقي للموديلات كأدوات محددة، وليس كحلول شاملة. يمكن استخدام نماذج أصغر، مخصصة لمهام محددة، أو حتى نماذج تمييزية (غير توليدية)، مع إجراء تحليل تكلفة-منفعة واقعي، واتخاذ تنازلات مدروسة. الهندسة الحقيقية لا تبدأ بالخيال، بل بالواقع. وحين نتوقف عن السعي وراء AGI كمُحرّك، نستطيع أن نبني تقنيات أكثر ذكاءً، واعية، ومستدامة.
