علماء يفصلون بين التذكّر والتفكير في الشبكات العصبية الاصطناعية، ويكتشفون أن القدرة على الحساب البسيط تكمن في مسارات التذكّر، وليس في الدوائر المنطقية
أظهرت دراسة حديثة أن القدرة على إجراء العمليات الحسابية البسيطة في الشبكات العصبية الاصطناعية لا تعتمد على الدوائر المنطقية، بل تُخزن في مسارات الذاكرة، ما يفتح نافذة جديدة لفهم كيفية عمل الذكاء الاصطناعي. قام باحثون من جامعة ستانفورد ومؤسسة ميتا بتحليل هياكل الشبكات العصبية الكبيرة، وتمكنوا من فصل وظيفة التذكّر عن وظيفة الاستدلال، وهو ما يُعد خطوة مهمة في تفسير سلوك النماذج المعقدة. أثناء تجربة مصممة لاختبار قدرة النموذج على حل مسائل حسابية بسيطة مثل جمع أو طرح أعداد صغيرة، لاحظ الباحثون أن النموذج كان يُظهر أداءً ممتازًا، لكنه لم يكن يُجري عملية حسابية حقيقية. بدلًا من ذلك، كان يُسترجع الناتج من ذاكرة مُعدّة مسبقًا، تمامًا كما يفعل الإنسان عند تذكّر ناتج 2 + 2. هذا التذكّر لا يتطلب تفكيرًا منطقيًا، بل يعتمد على مسارات مُحددة في الشبكة تُعرف بمسارات "التمثيل المخزّن". لإثبات هذا التمييز، قام الباحثون بتعطيل مجموعات معينة من الأوزان في الشبكة، ووجدوا أن تأثيرات التأثير كانت مركزة في مناطق محددة — لم تكن تؤثر على القدرة على التفكير التسلسلي أو التفسير، بل على القدرة على تذكّر نتائج محددة. في المقابل، عند تجربة مسائل جديدة لم تُدرَّس من قبل، تراجعت أداء النموذج بشكل ملحوظ، ما يدل على أن النموذج لا يُطبّق قواعد رياضية، بل يعتمد على مخزون مسبق من الإجابات. النتائج تُعيد تشكيل فهمنا لطبيعة الذكاء الاصطناعي، وتكشف أن ما نراه كـ"ذكاء" في بعض المهام قد يكون مجرد تذكّر مُتَنَوِّع ودقيق، وليس تفكيرًا مُتَنَوِّعًا. هذا التمييز يُعد حاسمًا لتطوير نماذج أكثر موثوقية وشفافية، خصوصًا في المجالات الحساسة مثل الرعاية الصحية أو النقل الذاتي، حيث يُستند إلى قرارات مبنية على معرفة حقيقية، لا على تذكّر مُعدّ مسبقًا. كما تُشير الدراسة إلى أن تطوير نماذج تُكمل بين الذاكرة والمنطق — بدلًا من الاعتماد على أحدهما فقط — قد يُسهم في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر مرونة وقُدرة على التعلّم من تجربة جديدة. وتشير نتائج التجارب إلى أن تدريب النماذج على فهم العمليات الحسابية بدلًا من تذكّر نتائجها، يُقلل من احتمالات الأخطاء في المواقف غير المألوفة. يُعد هذا التحليل خطوة مهمة نحو تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أذكى من حيث المفهوم، لا فقط من حيث الأداء. فبينما تُبقي النماذج الحالية على ميزة في سرعة الاستجابة، فإن فهم كيف تُخزن المعرفة وتحلّل — بدلًا من تذكّرها — يُمكّن العلماء من بناء أنظمة أكثر مصداقية وقابلية للتحكّم.
